مصدر الحياة في خطر بسبب التلوث.. هل أصبح الشرب من النهر من الماضي؟

الأحد، 13 يناير 2019 03:43 م
مصدر الحياة في خطر بسبب التلوث




منذ بداية العصر الصناعي في القرن الثامن عشر وحتى الربع الأخير من القرن العشرين، تعاملت مختلف الدول والمجتمعات مع الأنهار باستهتار مثير للاستفزاز، ومعادي للقيم والثوابت والشرائع الدينية التي امرت بالحفاظ على الأنهار لأنها مصدر الحياة.



ووجدت في هذه المسطحات المائية الجارية مجالاً للتخلص من كل أنواع القاذورات والمخلفات والنفايات البشرية والحيوانية والصناعية، لتنقلها الأنهار إلى أماكن أخرى. فتدهورت أحوال معظمها. حتى أن معظم الأنهار الأوروبية على سبيل المثال، كان قد أصبح في أواسط القرن الماضي غير صالح للاستحمام البشري فيه.





مع ظهور الوعي البيئي تدهور أحوال الأنهار قد أصبح قليلا إلى حد ما ، بعد أن سنّت قوانين كثيرة في معظم بلدان العالم لحماية أنهارها، وفي البلدان التي للوعي البيئي فيها قوة سياسية ملحوظة، فتحسّنت أحوال بعض الأنهار.



وتشير دراسات إلى أن نهر "التيمز" الذي يخترق العاصمة البريطانية لندن بات اليوم أنظف مما كان عليه في النصف الأول من القرن العشرين. الأمر نفسه ينطبق على نهر السين في فرنسا، وإن كان صيد أسماكه وتناولها لا يزال ممنوعاً بسبب مستويات التلوث فيه.



 وفي الصين يُعـدُّ تلوث الأنهار أحد أكبر القضايا الوطنية. فنهر "هيه" الذي يمر بالعاصمـة بايجينـغ ومدينة تيانجين ملوّث إلى درجة تجعل مياهه لا تصلح لشيء.



أما النهر الأصفر فنحو ثلث مياهه لا يصلح لا للري ولا للصناعة.



 الأمر نفسه ينطبق على معظم أنهار العالم بنسب مختلفة. فشرب الماء من النهر مباشرة بات أمراً من الماضي. وفي أحسن الأحوال، على مياه النهر أن تمر بمعامل التكرير لكي تصبح صالحة للشرب.



النهر في الشعر العربي والثقافات الغربية



في عام 1888م، عثر السير ولسون بدج على نص شعري نظمه أمنموبي الحكيم الذي عاش في مصر الفرعونية في وقت ما قريب من بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، وجاء فيه:



"لا تمنعن أناساً من عبور النهر



عندما يكون في قاربك مكان



لا تصنعن لنفسك معبراً في النهر



ثم تجاهد بعد ذلك لتجمع أجره"





ومن النادر أن نقع على شاعر عربي لم يتغنّ بشكل أو بآخر بنهر ما، تارة من باب وصف جماله فقط، وتارة كرمز للحياة الحلوة وهناء العيش، وتارة بوصف النهر موطناً أو مختصر وطن بكامله.



التغني بمحاسن الأنهر والعيش بجوارها، يمكننا أن نجده في الشعر الأندلسي ومن ذلك ابن خفاجة بقوله:



يا أهلَ أندلس للَّه دَرُّكُمُ



ماءٌ وَظِلٌّ وَأَنهارٌ وَأَشجارُ



ما جَنَّةُ الخلدِ إِلّا في ديارِكُمُ



وَلَو تخيَّرتُ هَذا كنت أَختارُ







وللشاعر الإشبيلي ابن زهر الحفيد قوله :



هَل تُستَعادُ أَيّامُنا بِالخَليج وَلَيالينا



إِذ يستَفادُ مِنَ النَسيم الأَريج مِسكَ دارينا



وَإِذ يَكادُ حُسنُ المَكانِ البَهيج أَن يُحيينا



نَهرٌ أَظَلَّهُ دوحٌ عَلَيهِ أَنيق مورِق الأَفنان



وَالماءُ يَجري وَعائِمٌ وَغَريق مِن جَنى الرَيحان





وكان لنهر النيل حصة الأسد من هذا الشعر. فالأمير الشعراء أحمد شوقي وحده عدة قصائد في النيل، أشهرها قافيّته:



من أي عهدٍ في القرى تتدفقُ



وبأي كفٍ في المدائن تغدقُ



ومن السماء نزلتَ أم فجّرتَ



من عليا الجنان جداولاً تترقرقُ





وةيقول شوقي أيضاً :



النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر



وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر



رَيّانُ الصَفحَةِ وَالمَنظَر



ما أَبهى الخُلدَ وَما أَنضَر







حافظ إبراهيم الذي وإن كان شعره في النيل ليس وحده وراء هذا اللقب، فإن ما قاله في هذا النهر العظيم لا يقل عما قاله صديقه ومنافسه شوقي. وفي مناظرة معروفة بين الاثنين قال شوقي:



يا ساكني مصر إنا لا نزال على



عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا



هلا بعثتم لنا من ماء نهركم شيئاً



نبل به أحشاء صادينا



كل المناهل بعد النيل آسنة



ما أبعد النيل إلا عن أمانينا







فأجابه حافظ بهذه الأبيات:



عجبتُ للنيل يدرى أن بلبلَهُ



صادَ ويسقى ربا مصر ويسقينا



والله ما طابَ للأصحاب موردهُ



ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا



لم ننأ عنه وإن فارقت شاطئهُ



وقد نأينا وإن كنا مقيمينا







وكان للنيل مكانته في الشعر السوداني، حيث نقرأ على سبيل المثال للشاعر السوداني إدريس جماع:



وادٍ من السحرِ أم ماءٌ وشطآنُ



أم جنةٌ زفها للناس رضوانُ



كل الحياةِ ربيعٌ مشرقٌ نضرٌ



في جانبيهِ وكلُ العمرِ ريعانُ







دجلة والفرات



جاء في إحدى الدراسات أن ذكر الفرات ورد ست مرات على الأقل في ديوان المتنبي، ومنها قوله:



شوقي إليك نفى لذيذَ هجوعي



فأرّقني وأقامَ بين ضلوعي



أو ما وجدتم في الصراة ملوحةً



مما أرقرقُ في الفرات دموعي





ولكن من أبرز القصائد التي تعبّر عن التحوّل الذي طرأ في العصر الحديث على الحياة في حوض دجلة والفرات، هو ما قاله معروف الرصافي في قصيدة عنوانها "سوء المنقلب":



لا دجلة يا للرزية دجلة



بعد الرشيد ولا الفرات فراتُ



كان الفرات يمد دجلةَ ماؤه



بجداول تُسقى بها الجناتُ



إذ بين دجلة والفرات مصانع



تفترُ عن شنب بها السنواتُ







ولكن للرصافي نفسه قصيدة أخرى يمتدح فيها "السد في بغداد"، فيقول:



نجّيتَ بالسد بغداداً من الغرقِ



فعمّها الأمنُ بعد الخوف والقلقِ



إلى أن يقول:



ويح الفرات فلو كانت زواخره



تدري بعزمك لم تطفح على الطرقِ







وفي مدح فيضان الفرات، يمكننا أن نقرأ في قصيدة لمحمد مهدي الجواهري بعنوان "الفرات الطاغي" نظمها في ثلاثينيات القرن الماضي:



طغى فضوعِفَ منه الحسنُ والخطرُ



وفاضَ فالأرضُ والأشجار تنعمرُ



فما الفراتُ بمستطاعٍ فمحتضدٍ



ولا بمستعبدٍ بالعنفِ ينكسرُ



كم من معارك شن الفنُ غارتها



على الفرات ولكن كان ينكسرُ







والشعراء المشرقيون لم يكونوا وحدهم الذين تغنَّوا بدجلة والفرات، فلأحمد شوقي نفسه قصيدة شهيرة بعنوان "دجلة"، مطلعها:



يا شراعاً وراء دجلةِ يجري



في دموعي تجنَبتك العَوادي







 أيضا أحمد شوقي الذي نظم قصيدته الشهيرة "نكبة دمشق" في عام 1926م، لمواساة المدينة التي سقطت تحت نير الاستعمار، ومطلعها الذي يعرفه الجميع يقول:



سلامٌ من صبا بَردى أرقُ



ودمعٌ لا يكفكفُ يا دمشقُ



اضافة تعليق