Advertisements

لا تستبعد الهداية.. انظر إلى النهاية السعيدة لـ"أبي نواس"

الجمعة، 11 يناير 2019 10:10 ص
لا تستبعد الهداية..نهاية سعيدة لأبي نواس

حسن الخاتمة بيد الله سبحانه وتعالى، وهو مسطّر في سابق علمه عن نهايات وأحوال البشر، لكن لكل نهاية مقدمات، يستدل بها على حسن الخاتمة.

غير أن هناك أمور فيما يبدو للناس قد تكون شرًا ولصاحبها أعمال جميلة في السر يهيء له الله بها الخاتمة الحسنة، ومن هؤلاء أصحاب النهايات السعيدة الشاعر المشهور، الذى اشتهر بالمجون والخمر:
 «أبو نواس» واسمه الحسن بن هانئ
كان أبوه من أهل دمشق من جند مروان بن محمد الأموي، ثم صار إلى الأحواز وتزوج امرأة، فولدت له أبا نواس، وابنًا آخر يقال له أبا معاذ.

ثم صار أبو نواس إلى البصرة، فتأدب بها على أبي زيد وأبي عبيدة اللغوي، وقرأ كتاب سيبويه، ولزم الراوية خلف الأحمر، وصحب يونس بن حبيب الجرمي النحوي.

وحدث عنه جماعة، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل ومشاهير العلماء، ومن مشاهير حديثه ما رواه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة".

وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي! أنت اليوم في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله من عملك.

فقال: إياي تخوف؟ بالله أسندوني. قال: فأسندناه، فقال: حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة"، ثم قال: "أفلا تراني منهم".

وقال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت عن ستين امرأة منهن خنساء وليلى، فما الظن بالرجال.

وقد قيل في حقه: "إذا رويت الشعر عن امرئ القيس والأعشى من أهل الجاهلية، ومن الإسلاميين جرير والفرزدق، ومن المحدثين عن أبي نواس فحسبك".


وقد أثنى عليه غير واحد منهم الأصمعي والجاحظ والنظام.

قال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بما وضع فيه من الأقذار لاحتججنا به - يعني شعره الذي قاله في الخمريات والمردان، وقد كان يميل إليهم - ونحو ذلك مما هو معروف في شعره.

وقال الإمام سفيان بن عيينة لابن مناذر: ما أشعر ظريفكم أبا نواس.

قال ابن الأعرابي اللغوي أشعر الناس أبو نواس في قوله:

 تسترت من دهري بكل جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني

 فلو تسأل الأيام عني ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكاني

وقال أبو العتاهية: قلت في الزهد عشرين ألف بيت، وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي هذه، وكانت مكتوبة على قبره:

يا نواسي توقر * أو تغير أو تصبر

إن يكن ساءك دهر * فلما سرك أكثر

يا كثير الذنب * عفو الله من ذنبك أكبر

وقد سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "القلوب جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".


فنظم ذلك في قصيدة له فقال:

 إن القلوب لأجناد مجندة * لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تناكر منها مختلف *  وما تعارف منها فهو مؤتلف

وبالجملة، فقد ذكروا له أمورًا كثيرة، ومجونًا وأشعارًا منكرة، وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، والأول أظهر، لما في أشعاره.


فأما الزندقة فبعيدة عنه، ولكن كان فيه مجون وخلاعة كثيرة.

وقد عزوا إليه في صغره وكبره أشياء منكرة الله أعلم بصحتها، والعامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها.

وقال محمد بن أبي عمر: سمعت أبا نواس يقول: والله ما فتحت سراويلي لحرام قط.

وقال له محمد الأمين بن الرشيد: أنت زنديق.

فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق وأنا أقول:

أصلي الصلاة الخمس في حين وقتها * وأشهد بالتوحيد لله خاضعا

وأحسن غسلي إن ركبت جنابة * وإن جاءني المسكين لم أك مانعا

 وقال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق ولا أحسن من قول أبي نواس.

وذكر أن أبا نواس لما أراد الإحرام بالحج قال:

يا مالكا ما أعدلك مليك كل من ملك

لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك

عبدك قد أهلّ لك أنت له حيث سلك

لولاك يا رب هلك

لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك

والليل لما أن حلك * والسابحات في الفلك

على مجاري تنسلك كل نبي وملك وكل من أهلّ لك

ودخل أحد العلماء على أحمد بن حنبل فرأيت رجلاً تهمه نفسه لا يجب أن يكثر عليه، كأن النيران قد سعّرت بين يديه، فما زلت أترفق به وتوسلت إليه أني من موالي شيبان حتى كلمني، فقال: في أي شئ نظرت من العلوم؟ فقلت: في اللغة والشعر.

قال: رأيت بالبصرة جماعة يكتبون عن رجل الشعر، قيل لي هذا أبو نواس.

فتخللت الناس ورائي فلما جلست إليه أملى علينا:

 إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن في الخلاء رقيب

 ولا تحسبن الله يغفل ساعة * ولا آثما يخفى عليه يغيب

 لهونا عن الآثام حتى تتابعت * ذنوب على آثارهن ذنوب

 فيا ليت إن الله يغفر ما مضى * ويأذن في توباتنا فنتوب

وقال الربيع وغيره عن الشافعي قال: دخلنا على أبي نواس في اليوم الذي مات فيه وهو يجود بنفسه فقلنا: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول:

تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منةوتكرما

 ولولاك لم يقدر لإبليس عابد * وكيف وقد أغوى صفيك آدما

وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصًا، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك.


ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلثمائة درهم وثيابه وأثاثه، وقد توفى وله خمسون سنة.

وقد رآه بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس:

 تفكر في نبات الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات * بأبصار هي الذهب السبيك

 على قضب الزبرجد شاهدات * بأن الله ليس له شريك

اضافة تعليق