حتى لا يحاسبك الله على نعمة المال.. أركان الإسلام تحيا به فلا تضيعه

الخميس، 10 يناير 2019 12:17 م
نعمة المال حرام على السفهاء




يقول الله تعالى في سورة النساء: "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (5)".



جعل الله سبحانه وتعالى، المال قيامًا للناس، وجعل منه سرًا للحياة، وسببًا لفعل الخيرات، وتركًا المنكرات، وحب المساكين، ووسيلة لكسب العيش والتقدم، فالمال في الإسلام ركن من أركان الدين، كما هو ركن من أركان الدنيا.

أما كونه من أركان الدنيا فأمر يعرفه الجميع ولا يجادل فيه أحد، وقد قالوا: المال قوام الأعمال، والمال قوام الحياة. وهو معنى مذكور في قوله تعالى {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} [النساء: 5].



وأما كونه من أركان الدين فيتجلى أولاً في الركن الثالث من أركان الإسلام، وهو ركن الزكاة. فالزكاة مال وعبادة مالية، وركن مالـي من أركان الإسلام.



ولم تتوقف أهمية المال على الإنفاق والزكاة والكسب فقط، فهناك أركان أخرى في الإسلام تتوقف إقامتُها على المال.

فالصلاة تحتاج إلى بناء المساجد وتجهيزها والقيام على خدمتها، وكل هذا يحتاج إلى المال، وفريضة الحج تتوقف كثيرًا على المال، وأعمال البر والإحسان والصلة والصدقة والوقف… كلها مال في مال. والعلم والتعليم بحاجة إلى المال.

ومعظم أنواع الجهاد والدعوةِ إلى الله تحتاج إلى المال، والجهاد يحتاج المال، وفي ذلك نتذكر جيش العسرة الذي وعد النبي صلى الله عليه وسلم المنفقين لتجهيزه بأنه لهم الجنة، والأفكار والدعوات والحركات تنتشر وتنجح بقدر ما لأهلها من وسائل وأدوات، يتوقف تحصيلها وتشغيلها على المال.


إلا أن بعض الناس لا يقدر نعمة المال وينفقه بسفه في أشياء لا حاجة له فيها ولا حاجة للمسلمين من ورائها، الأمر الذي حذر منه القرآن الكريم، فقال تعالى "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ".


فقد جعل الله سبحانه وتعالى، المال أمانة لدينا، استأمنا عليها، وأمرنا ألا نعطيها لمن ينفقها في الضلال، وحذر من عذاب أليم لمن يفعل ذلك.



ويكفي المالَ فضلاً أنه يمكِّن صاحبَه من العيش بكرامة وعفة: يُعطي ولا يَطلب، وينفق ولا يَسأل. وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعِفَّه الله، ومن يستغنِ يُغْنِه الله).


وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها”.


و عن أبى هريرة: أن فقراء المهاجرين أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال «وما ذاك؟». قالوا: يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نُعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أُعَلمكم شيئا تُدركون به مَن سبقكم وتسبقون به مَن بَعدكم ولا يكون أحد أفضلَ منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟». قالوا بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».


فالمال هو فضل الله يؤتيه من يشار بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قبل ذلك قول الله تعالى{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [الحديد: 21]، وإنما يأتي المال بالكد والسعي: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه} [المزمل: 20].


السعي وكسب المال الحلال وحسن تدبيره وإنفاقه في الخير، هو المبتغى والهدف، والأفضل والأكمل من المؤمنين هو مَن دخل في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 201، 202].


فضائل أهل المال


فضل أهل المال وثوابهم يستمر حتى بعد موتهم، فينتفع ورثتهم بما ورَّثوه لهم، وينتفع أهل الوصايا والصدقات الجارية من وصاياهم وصدقاتهم المحبَّسة، وكل ذلك في صحائفهم، لأنه من آثارهم. قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].



وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعود أحد الصحابة عامَ حجةِ الوداع من وجع اشتد به، فقال إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثَيْ مالي؟ فقال النبي : لا، فقالت بالشطر؟ فقال النبي لا، ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير، إنك أَنْ تَذَرَ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في فـي امرأتك".



حرمة التبذير

حفظ المال هو أحد الضروريات الخمس الكبرى، التي عليها مدار الشريعة ومقاصدِها، ويكون بأمرين: أحدهما: ما يُقِيم أركانها ويُثَبِّت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم.


والذي يُقِيم أركان المال هو اتخاذ الأسباب لتنميته وحسن تدبيره. ومن أهم شروط ذلك ووسائلِه: الادخارُ والاستثمار،  أما الادخار العقيم غير المنتج، فهو مجرد تجميد للمال وتعطيلٍ لوظائفه التنموية والاجتماعية، بل هو إضاعة له، لأن التجميد هو نوع من التضييع، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، كما في الصحيحين وغيرهما.


وأما حفظ المال من جانب العدم فمن أهم أحكامه في الشريعة الإسلامية فقال تعالى {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27].


وفي صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مَـخِيلة. وقال ابن عباس: كلْ ما شئتَ والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سَرَفٌ أو مَـخِيلة. والمخيلة هي حب الظهور بمظاهر الغنى والتفوق والأفضلية، سواء في اللباس أو الطعام والشراب أو الأثاث، أو غيرها من المظاهر والمقتنيات الاستهلاكية. فهي تدفع إلى الإسراف والتباهي، ولو بشكل غير معلن.




اضافة تعليق