"جابر عثرات الكرام".. المعروف لا يضيع فما بالك بمن يجبر خاطر مكسور؟!

الخميس، 10 يناير 2019 11:09 ص
جبر الخواطر فك القيود والبس القلائد

خلق الله الإنسان على هذه الأرض لغاية شريفة، تسمو بوجوده عن سائر المخلوقات التي تعيش على الأرض للأكل والشرب والجنس، هذه الغاية هي عبادة الله تبارك وتعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون - إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات: 56 - 58).


لكن مفهوم العبادة في الإسلام ليس محصورًا في صلوات وتمتمات وطقوس تمارس في أوقات محددة، بل هو أوسع من ذلك بكثير، إنه منهج للحياة الإنسانية برُمَّتها {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 162 – 163).


ولعل من أفضل العبادات وأعظمها عبادة تسمى جبر الخواطر والتي يغفل أو لا يعلم عنها كثير من المسلمين شئ في هذه الأيام وإنها لتتجلى في هذه المواقف من زمان التابعين. 

فقد كان هناك رجل يدعى خُزيمة بن بشر، كان ميسور الحال ينفق علي كل فقير ومحتاج حتى الذين لديهم مال كان يعطيهم، حتى دارت عليه دائرة الدنيا والأيام فأصبح فقيرًا معدمًا، فجاء بعض الذين كان يعطيهم من خيره ويمد لهم يد العون، فأعطوه شهرًا أو شهرين ثم ملوا وتوقفوا عن مساعدته، فأغلق باب بيته عليه وهو لا يجد ما يسد به الرمق هو وزوجته.

كان الوالي المكلف في الجزيرة يدعى عكرمة بن الفياض، وكان يعرف خُزيمة بن بشر فسأل عنه، فقيل له: لقد افتقر خُزيمة وأصبح لا يملك قوت يومه وأغلق بابه،  فاندهش قائلاً: خُزيمة افتقر؟! ولَم يجد ممن كان يعطيهم ليقف معه؟! خزيمة الذي كان يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر؟!

وفِي الليل والنَّاس نيام، خرج الوالي وأخفى وجهه وهو يحمل علي ظهره حملاً ثقيلاً حتى بلغ دار خزيمة ثم طرق الباب، قال خُزيمة: من؟، قال عكرمة: ضيف ففتح خزيمة، ووضع عكرمة الحمل من ظهره وقال: هذا لك قال خُزيمة : ومن أين؟ قال عكرمة: من مال الله قال خُزيمة: ومن أنت؟قال عكرمة : جابر عثرات الكرام، قال خزيمة: بالله عليك عرفّني من أنت؟، قال: جابر عثرات الكرام ثم انصرف مسرعًا.

قال خزيمة لزوجته: أشعلي لنا فانوسا لنرى ماذا أحضر الرجل المُلثم، قالت : ليس لدينا فانوسا ولا حطب نوقده، فأخذ عكرمة يتلمس الكيس في الظلام، حتى انفلق الصباح، وعندما فتحه وجدها أربعة آلاف دينار وخمسمائة، وكان الألف دينار تعادل أربعة كيلو ذهب ومائتين وخمسين جرامًا، فشكر خُزيمة ربه وقضى دينه وأصلح حاله.


وعندما رجع الوالي عكرمة إلي بيته، وجد زوجته تولول وتقول: لا يخرج الوالي في هذه الساعة إلا لزوجةٍ أخرى قال: لا واللهقالت : إذن أخبرني أين كنت؟ قال: لو أردت إخبارك أو إخبار أحد لما خرجت متخفيًا ليلاً، قالت: يجب أن أعرف وألحت ولَم تنم حتى قَص لها القصة وقال: اكتمي السر ولا تحدثي به حتى نفسك.

وبعد فترة ذهب خزيمة إلي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك فسأله: أين كنت يا خزيمة لم نسمع عنك من زمن فقص عليه القصة فقال الأمير: ومن جابر عثرات الكرام؟ قال: لم أعرفه ورفض إخباري قال الأمير: ليتك عرفته، 
ثم أمر بمنح دنانير أخرى ل خُزيمة وأصدر أمرًا بإعفاء عكرمة الفياض، وتعيين خُزيمة واليًا لمنطقة الجزيرة.

ورجع خُزيمة ودخل قصر الوالي وهو يحمل مرسوم العزل وكان في استقباله عكرمة بنفسه وسلمه أمر العزل، فقال عكرمة: كله خير، ثم قال خُزيمة: أريد أن أحاسبك على مال المسلمين، فرحب عكرمة بذلك، فوجد خُزيمة مبلغًا من المال غير موجود، فقال خُزيمة: أين المال يا عكرمة قال: ليس معي قال: إذن رُده من مالك، قال: لا أملك مالاً خاصًا، قال: إما المال أو السجن.

وسجن عكرمة ردحًا من الزمن ووضعت له الأغلال الثقيلة في كتفيه وظهره حتى ضعف جسمه وتغير لونه، وعندما سمعت زوجة عكرمة بما حدث لزوجها الوالي المعزول، ذهبت إلى خُزيمة وكانت ابنة عّمه وقالت له: يا خُزيمة ما هكذا يُجازي جابر عثرات الكرام، فانتفض خُزيمة مفزوعاً قائلاً: هل هو عكرمة؟ يا ويلتاه وهرول إلى السجن دون أن يسمع شئا آخر، وأخذ يفك الأغلال من عكرمة بيديه ويبكي، وعكرمة يسأله: ماذا حدث ولماذا تبكي؟، قال خُزيمة: من كرمك وصبرك وسوءُ صنيعي: كيف أنظر في وجهك ووجه ابنة عمي؟!

فأمر له بالكساء والغذاء وعندما استوى عوده قال له: هيا معي إلى خليفة المسلمين، فلما رآهم الخليفة بن عبدالملك قال: ما الذى أتى بك يا خُزيمة وأنت حديث عهد بالولاية؟، قال: أتيتك بـ"جابر عثرات الكرام"، وأظنك كنت متشوقًا لمعرفته،

فاندهش بن عبد الملك، وقال: هل هو عكرمة ؟ خبت يا بن عبدالملك، وتعجلت لقد أخجلتنا بطيب صنيعك وصبرك يا جابر عثرات الكرام فأمر ل عكرمة بعشرة آلاف دينار وأعاد تعينه واليًا وقال: إن شئتما حكمتما معًا
وظلا واليين مع بعضهما حتى توفاهما الله.

فهل من جابر لعثرات الكرام في زماننا، تفقدوا إخوانكم وأهليكم وجيرانكم وسائر من تعرفون واجبرروا كسرًا يعض القلوب ويحني الظهور في هذ الأيام.

اضافة تعليق