د. محمد كمال إمام: المقاصد الشرعية تتفوق على الفكر السياسي الحديث

الأحد، 06 يناير 2019 12:10 م
1


رائد منهج المقاصد الشرعية:

*تفعيل الفكر المقاصدي ينهي مشاكل العالم الإسلامي ويضمن وجود مجتمعات متماسكة ومتحاورة

*المقاصد الشرعية تكرس القطيعة مع العنف والدماء استحلال أموال الغير

*غياب المقاصد الشرعية عن خطاب الحركات الإسلامية سبب ما انتهت إليه من صدام

*المعركة مع ين والتنوييرين حول تنقية التراث "مفتعلة" والحملة على البخاري "استنزاف للجهد"

*التشكيك في السُّنة ينم عن جهل ومرض.. والحديث المطعون في صحته لا تؤخذ منه الأحكام

*تحميل الأزهر مسئولية إخفاق الدعوات لتجديد الخطاب الديني مناف للعقل والمنطق

*تجديد الخطاب الديني تكريس لفكر الوسيطة والرفق واللين

أقول للتنويريين: التراث لم يعرقل انجازات الفارابي وابن رشد.. وأوروبا حافظت علي التراث اليوناني

*الصراعات المذهبية تحولت إلى أداة لتفتيت العالم الإسلامي.. وهذه هي الطريقة المثلى لتطويقها

قال الدكتور محمد كمال إمام، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، إن منهج المقاصد الشرعية الإسلامية يشكل إطارًا شرعيًا وحضاريًا للإنسانية جميعًا، بل إنه تفوق تفوقًا بارزًا على الفكر السياسي العالمي الحديث، من حيث صيانته للحقوق الإنسانية، وفي مقدمتها حفظ النفس والعقل والمال والعرض.

إمام الذي يوصف بأنه "رائد المقاصد الشرعية" في حواره مع موقع "amrkhaled.net"، تحدث عن المنهج المقاصدي، مؤكدًا أنه يمتلك القدرة على إيجاد حلول جذرية لكافة المشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي، معتبرًا أن غيابه عن خطاب الحركات الإسلامية هو المسئول عن دخولها النفق المظلم الذي تعاني منه الآن.

وشدد على أن "تفعيل منهج المقاصد الشرعية كفيل بإيجاد مجتمع متماسك ومتحاور لا يعرف العنف ولا استحلال الدماء ولا استضعاف الآخر، وازدراءه، فهو يحمي الجميع ويسرّي عليهم ويسعدهم ويحميهم من الآخرين ويحمي الآخرين منهم" .

وأكد أهمية الدعوات لتجديد الخطاب بوصفة ضرورة مجتمعية، فضلاً عن أهمية وجود حوار بين مؤسسات الدولة المختلفة، وتكامل أدوارها إذا أردنا لهذه الدعوات أن تحقق أهدافها، رافضًا تحميل الأزهر مسئولية عدم تحقيق الدعوات الرامية لتجديد الخطاب الديني لأهدافها.

الحوار مع الدكتور كمال إمام تطرف لقضايا عديدة، فإلى نص الحوار:

*يعول الكثيرون على منهج المقاصد الشرعية للخروج بالأمة الإسلامية من أزماتها، فهل يمكن أن تسلط الضوء على هذا المنهج، وما يوفره من حماية للمجتمعات الإسلامية؟

**مقاصد الشريعة، تعد بمثابة الروح العامة التي تربط بين الخير الذي يريده الله للناس، والخير الذي يريده الناس لأنفسهم، وهذا يمثل أرقى ما وصل إليه الفكر السياسي العالمي الحديث، الذي يهتم اليوم بـ "حماية الخير العام للناس جميعًا"، وهذه المقاصد ليست جزءًا من الفقه، بل هي الفقه الأكبر؛ لأنها أرحب وأوسع من أن تحصر في دائرة علم من علوم الشريعة، بل هي بمنزلة الروح من جسد هذه العلوم كلها، لها مكانتها من أصول الدين، ومكانها في الفقه وأصوله، وهي لباب علم التفسير، ومعيار حاسم في فهم الأحاديث، فضلاً عن كونها قطبًا جاذبًا لعلوم إنسانية وطبيعية، وفي مقدمتها علم التاريخ بسننه العمرانية، وعلم الطب بكل أقسامه وفروعه.

فالمقاصد ليست في تدبير مصالح الأديان فحسب، بل هي أيضًا في تدبير مصالح الأنفس والأبدان، ومصالح العيش والعمران فمنهج المقاصد يتحرك على الأرض في كل شيء، بدءًا من الفرد والأسرة، وصولاً للدولة والوطن، وقواعده تحمى الجميع وتسرّي عليهم، وتسعدهم، وتحميهم من الآخرين وتحمى الآخرين منهم.

*كأنك تشير لشمولية المفاهيم المقاصدية، ورعايتها لمصالح العباد والمجتمعات بشكل عام؟

**حينما يتحدث المقاصدي عن عبارة "حفظ العرض"، فهو لا يحمي عرضك فقط من اعتداء الآخرين عليه، لكنه يحمى في الوقت نفسه أعراض الآخرين منك، فالكل يستظل بالحماية والرعاية والأمان والسلام، ومن ثم  الظاهرة المقاصدية بهذا الشمول، لا خطر منها على المقاصد حتى لو اعتبرناها علمًا، فمقاصد الشريعة جزء من الشريعة ومن نصوصها، والشريعة ليست مغلقة على علم بعينه، بل هي المعقول والمنقول مًعا، وبلغة "ابن القيم"، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.

*الظاهرة المقاصدية أو المنهج المقاصدي يتفرد بعدد من الميزات، هل تفصّل لنا مميزات هذه المنهجية؟

**أهم ما يميز هذا المنهج هو قدرته على تعميم مضمونه من ناحية، وعدم فصله بين الكليات والجزئيات من ناحية أخرى، فلم تكن المقاصد مدرجة في قواعد أو مقننة في نماذج، وإنما هي روح تسري في الحياة الإسلامية كلها، وهي روح تستقي من خلال أوامر ونواهي الدليل، وتدرك بوحي منها مدارج التطبيق والتنزيل، وعليه فلا حرج إن "اتخذ التفكير في الدرس المقاصدي منحى الاهتمام بتداخله الداخلي مع العلوم التي تنتمي للمجال التداولي العربي الإسلامي، وتداخله الخارجي مع العلوم التي لا تنتمي لهذا المجال ومن ثم تنميط الاستثمار المقاصدي وضبطه في احتمالات "أن المقاصد إما أن تستثمر في التعامل مع النصوص بإطلاق، أو في مجال الحكم بإطلاق، أو أن توظف عند التعامل مع النصوص، في إتمام الاستقراء الناقص الذي تم عبره الكشف عن المقاصد، عند التعامل مع النصوص، وفي الترجيح والتنزيل على الواقع والتعدية لملء الفراغ التشريعي، فيما يعد التنميط بمثابة محاولة في "تنظير العلم" تأتي لاحقة على الظاهرة المقاصدية، التي يبدأ منها "تأسيس العلم"، وهي مرحلة مفارقة منهجًا وحدودًا عن الظاهرة في امتدادها وتداخلها.


*أطلقتَ خلال الفترة الماضية، الدليل الاسترشادي لمقاصد الشريعة الإسلامية، فهل تكشف لنا عن بعض ملامحه؟

**هذا أول عمل موسوعي لمقاصد الشريعة من خلال رصد ما كتب عن المقاصد عبر التاريخ، مع عرض موثق لمئات المخطوطات النادرة في هذا المجال، فضلاً عن عرض واف لجميع لرسائل الجامعية (ماجستير – دكتوراه) التي تناولت للمقاصد بالجامعات العربية والإسلامية، والتي تزيد علي ٢٠٠٠ رسالة متنوعة، وأعداد كبيرة من الكتب التي تعرضت لمنهج المقاصد باللغات العربية والفارسية والأوردية والألمانية والانجليزية والفرنسية، ومئات الدراسات التي ناقشت هذا المنهج في مختلف العصور، إضافة لما  نشر عن المقاصد في الكتب والمجلات والدوريات في مختلف أنحاء العالم.

*ما الأهمية العلمية لهذا الدليل وإسهامه في تفعيل دور المنهج المقصدي؟

**يعد مرجعية شديدة الأهمية في هذا المجال، من خلال المصادر والمرجع التي تناولته، مع اختلاف وتنوع الاتجاهات العلمية لهذا المنهج داخل الجامعات والمراكز البحثية والمؤتمرات، ناهيك عن عروض وافية لأبحاث تمت مناقشتها عن المقاصد في كل من ماليزيا والمملكة العربية السعودية وتونس والجزائر والمغرب وتونس وليبيا والسودان، وغيرها من البلدان الإسلامية طوال الخمسة عشرة عامًا الأخيرة.

*هناك من يرى المقاصد علمًا وهناك من يراها فرعًا من فروع أصول الفقه إلي أي الرأيين تميل؟

**المقاصد الشرعية منهجية أصولية، وجزء من علم الأصول وليس علمًا مستقلاً، ويعد استكمالاً لمسيرة طويلة تطرق إليها العلماء والفقهاء في عصر الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فضلاً عن ألوان الطيف الفقهي المختلفة من حنفية وشافعية ومالكية وحنابلة، بل لا أكون مبالغًا حين أؤكد أن منهج المقاصد الشرعية حال التعرض له وفهمه فهمًا واعيًا، يقدم حلولاً لكافة المشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة من تطرف وغلو وعنف وإرهاب من خلال المنظور المقاصدي للشريعة، ونظريات المقاصد المتعلقة بفقه الضرر والضرورة وليس عبر نصوص مباشرة؛ فمنهج المقاصد الشرعية يعمل من أجل إيجاد مجتمع إسلامي متماسك ومتحاور، لا يعرف العنف ولا استحلال الدماء والأعراض ولا القتل الذي حرمه الله.

*أشعر من كلامك وكأنك تركز على دور محوري للمقاصد الشرعية فيما يتعلق بقضايا العنف والدماء كأولوية خلال المرحلة الحالية؟

**المشكلة لا تتعلق بالعنف وحده، لكن تتعلق بحزمة من المشكلات، منها الغلو والتشدد والمتطرف والتكفير، وهي مشكلات وصلت بالمنطقة لوضع مأساوي يهدد الدولة الوطنية ومؤسساتها، لاسيما أن العنف جريت محاولات لتوظيفه بستار الدين لتحقيق مكاسب تضر بالمصالح العليا للأمة، عبر سلسلة من الأخطاء المنهجية، والتجاهل التام لمقاصد الشريعة الإسلامية، وعدم الالتزام بأحكامها وفق متغيرات العصر.

**يأخذ الكثيرون على الحركات الإسلامية أنها أغفلت المنهج المقاصدي، وهو ما تسبب في دخولها في صدامات في العديد من الدول جراء ذلك؟

**جزء كبير من الخلل الذي أصاب الحركة الإسلامية في مصر والعالم العربي نتج عن غياب علم المقاصد في توجيه مسيرتها وتصرفاتها، فلو أنها أدركت فقط بندًا واحدًا من فقه المقاصد الشرعية "وهو حفظ النفس"، ما وقعت فيما وقعت فيه من عنف، وإراقة دماء، أو صدام مسلح، لم تجن من ورائه سوى الخسائر المتتالية لها وللدين وللوطن؛ فالفقهاء قديمًا قالوا: "حفظ النفس" مطلقًا، وليس حفظ النفس المسلمة، أو المؤمنة أو التي تتبعني دون سواها، بل حفظ لكل الأنفس، نفس المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي، ومن كل الجنسيات والأعراق والمذاهب.

*أي أن قاعدة حفظ النفس تخص الإنسانية بشكل عام، وليس معتنقي دين بعينه؟

**قاعدة حفظ النفس مثلاً في المقاصد هي موجهة أساسًا لمصالح الإنسان قبل الأديان وهى تلزم الجميع حكامًا ومحكومين بحماية كل الأنفس بلا استثناء وتلحق بها القاعدة المقاصدية "حفظ المال"، وهي تحمي مال الجميع بغير استثناء المسلم وغير المسلم، مال الفرد والدولة مال السائح والمستثمر، وكذلك أموال خصومي في الفكر أو الدين أو السياسة أو المذهب، وبالتالي تحرم هذه القواعد كل استحلال لمال الآخرين، وتمنع كل أشكال السرقة والنهب والنصب والغصب والمصادرة، وفق قاعدة أن المقاصد تحمي الجميع وأحكامها تسري على الكل بلا استثناء.


*بشكل عملي كيف يمكن أن تقوم هذه الحركات التي ضلت الطريق في انتهاج هذا المنهج بما يؤدي إلى وقف العنف والدماء؟

*  يمكن ذلك من خلال تطبيق قاعدة تحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، أو درء أعلى المفسدتين بقبول أدناهما، ولو فعلت هذا لأراحت واستراحت، وأغلقت على نفسها وغيرها أبوابًا من الشرور لا يعلم مداها إلا الله، ولقبلت المتاح من الخير درءًا للشر وتحصيلاً للخير، ولو أنها فعلت ذلك لما أغلقت الأبواب في وجهها، وما سدت الآفاق أمامها، وأمام غيرها ممن عوقب بجريرتها أو قاربها، وما وصلت إلى النفق المظلم الذي وصلت إليه.

*بين الفينة والأخرى تتردد دعوات لتجديد الخطاب الديني، وهو الأمر الذي يثير جدلاً حول المغزى من ذلك، بين فريقين أحدهما يرى ضرورة للتجديد، وآخر يعتبره مسعى للعبث بثوابت الإسلام؟

**الحديث عن تجديد الدين قد يوهم بتجديد العقائد أو العبادات، وهذا مرفوض جملة وتفصيلاً، أما الحديث عن تجديد الفكر فهذا أيضًا متحفظ عليه، ومن ثم يبقى تجديد الخطاب الديني، هذا المصطلح الذي يتجاوز عديدًا من العقبات، بما يعني تجديد المتغير من الأحكام، وتجديد الفكرة في حدود الفطرة، تجديد الناس لأفكارهم في مستوى زمانهم، كما أن هناك ربطًا بين مجتمع الناس والدين، وربطًا بين الزمان والمكان، فلكل مكان أعرافه ولكل زمان مذاهبه ولكل مكان أفكاره.

فتجديد الخطاب الديني توسيع للمفهوم وليس تضييقًا، ميل إلى الوسطية لا التشدد، ميل إلى الرفق لا التطرف، ميل إلى التيسير لا الغلو، كل هذه المعاني متوافرة في تجديد الخطاب الديني، ولكن مفهوم التجديد يحتاج لإيضاح، وهذه مهمة العلماء والمفكرين والمثقفين حتى لا يكون بعضهم في مواجهة بعض مع وحدة الأفكار والأهداف والغايات؛ فالوطن للجميع والأديان متعددة، والإسلام صحيح في قرآنه وسنته الصحيحة.

*غير أن البعض يرى في مثل هذه الدعوات رضوخًا لضغوط  الغرب ونزلاً على رأيه؟

**إذا أخذناها في هذا السياق فيمكن أن يكون للأمر حجية، أما إذا أخذناها على أنها ضرورة مجتمعية فسنرى أن الخطاب الديني في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات مختلف عن عصرنا الحالي، وكذلك فالخطاب الديني في بدايات القرن العشرين ليس هو كما في أواخر القرن التاسع عشر، وفي ظل المتغيرات المجتمعية يبقى التجديد وسيظل خيارًا وحيدًا لا رجعة عنه؛ فالمجتمع لابد أن يكون مُجددًا في فترات التاريخ المختلفة، أما أحكام العبادات فلا تتغير لأنها من الثوابت والقطعيات.

*على الرغم من تكرار الدعوات لتجديد الخطاب الديني إلا أنها لم تحقق مبتغاها حتى الآن؟

**إطلاق هذه الدعوة أمر ضروري وإيجابي، شريطة وجود نوع من التوافق بين مؤسسات الدولة المختلفة على الأفكار الرئيسية، ووجود رؤية وطنية تشترك فيها جميعًا، فلا يمكن مثلاً أن يكون هنا خلاف حول حماية الوطن والذود عنه، باعتبار ذلك من  ضرورات مقاصد الشريعة لبناء المجتمعات الإنسانية، ومن ضرورات القوانين، ومن ضرورات النظم السياسية، انطلاقًا من وجود قواسم مشتركة ومناطق يمكن النقاش فيها والحوار حولها.

*ما أبرز مفردات الحوار التي تدعو له لدعم الدعوات لتجديد الخطاب الديني؟

**الحوار حول قضية تجديد الخطاب الديني هو أجدى الطرق التي نصل بها لأهدافنا، لكن الأهداف ينبغي أن يشارك الجميع في الاقتناع بها، هذا في مجال المنظومة، وفي مجال الأحكام إذا كانت شرعية، فيختص بها مجمع البحوث الإسلامية، وهيئة كبار العلماء،، والأزهر الشريف، ودار الإفتاء، هذه هي المؤسسات العاملة في هذا المجال، لأن الأمر يتعلق بالحلال والحرام.

وقد يتساءل البعض: أليس لخبراء الاقتصاد والرياضة والفنون والصحافة دور في البحث عن الأحكام؟ نعم لهم دور في توصيف الواقع، وتحليل المشكلات، ثم تأتي الخيارات حول ما نسميه السياسات التي يقوم بها ولي الأمر في الجانب التشريعي، ويقوم مجمع البحوث وهيئة كبار العلماء بعرض الآراء المختلفة، ويترك لأهل التشريع وأهل السياسة اختيار الآراء المشروعة، بما يحقق مصالح الناس في هذه اللحظة، وقد تتغير المصالح فتتغير معها الأحكام، هذا لكي تصبح عملية التجديد فعالة ويقوم بها أهل الاختصاص وأهل الاجتهاد وأهل التشريع.
*
**الحديث عن تكامل دور مؤسسات الدولة في إنجاح الدعوات لتجديد الخطاب الديني لا يلغي الدور المحوري للأزهر؟

**لا بد أن نفصل بين حضور الدين في المجتمع الإسلامي والعربي كممارسة الفرائض اليومية، كالصلاة والصوم والزكاة؛ فالدين حاضر في قلب المنظومة الاجتماعية على عكس دول أخرى، وبين الخطاب الديني الذي هو منبع الآلية التي تحمل الثقافة الإسلامية للمجتمع.

والخطاب الديني مسئولية المجتمع ككل، وليس الأزهر وحده، فحينما نتحدث عن تجديد الخطاب الديني تتوجه الأعين "أوتوماتيكيًا" صوب مؤسسة الأزهر، وهذا ليس عيبًا لأنه دائما منبع التغيير والتجديد الإسلامي، لكن لا تتعجب حينما أقول لك إن المؤسسة التشريعية جزء من عملية تجديد الخطاب الديني، عن طريق القوانين التي تصدرها وتضبط من خلالها إيقاع الحياة اليومية في الشارع المصري، وكذلك الحكومة مسئولة بوزاراتها المختلفة عن تجديد الخطاب الديني.

*الانتقادات الموجهة للأزهر تتزامن مع الهجوم على التراث والمطالبة بتنقيته بوصفه من وجهة نظر منتقديه هو المسئول عن انتشار التطرف والغلو؟

**السجال الدائم بين الأزهر والتنويريين حول تنقية التراث هو صدام مفتعل، لأن الحضارة الإنسانية نهضت وتطورت، وظهر ابن سينا وابن رشد والفارابي والأئمة الأربعة ومذاهب المعتزلة، وعلى الرغم من ذلك لم نشعر أن هناك مشكلة تتعلق بتنقية التراث، فهل حينما تطورت الحضارة الغربية ألغت التراث اليوناني؟، لم يقل أحد إن الحديث المطعون في صحته تؤخذ منه الأحكام، نحن نأخذ الأحكام من السنة الصحيحة، ومشكلتنا مع هؤلاء الذين يتخذون من الأحاديث الضعيفة أساسًا للوصول إلى أحكام، أو ينكرون السنة من الأساس.

وبدلاً من أن نشغل أنفسنا بتنقية التراث، فلندخل في مشكلات العصر، وعندما تصادفنا إشكالية حول حديث معين يجلس أهل الاختصاص لتحريره وتخريجه، هذه قاعدة لا يختلف عليها أحد، أما أن ندخل في معارك لا حصر لها حول البخاري فهو استنزاف للجهد، وأغلب الذين يهاجمون السنة في الإعلام لا يعرفون شيئًا عنها، باب التراث مفتوح للجميع لكن لا يدخله إلا من يتقنه.

*لكن الأمر تجاوز انتقاد السنة إلى التشكيك في حجيتها كما جرى مؤخرًا.

**الحملة الدائرة حاليًا ضد السُّنة ومحاولات النيل منها، والانتقاص من قدرها، والتقليل من حجيتها، بذريعة أن القران قد حسم كل القضايا ينم عن جهل شديد أو غرض من أناس ليس لهم هم إلا الانتقاص من شرعية المصدر الثاني للتشريع، من هنا فنحن لا يمكن أن نستغني بالقرآن عن السنة، ولا بالسنة عن القرآن، فعبر السُّنة تعلمنا الأحكام الشرعية والصلوات والزكوات، والنيل من السُّنة ما هو إلا صراع بين جهلاء أصحاب غرض؛ فحجية السنة ثابتة منذ ١٤قرنًا ولا يدحض في حجيتها  إلا مغرض أو جاهل.

*في ظل هذا السياق المضطرب تطل علينا الانقسامات بين السنة والشيعة بشكل غدا يمثل خطرًا على العالم الإسلامي كيف يمكن تجاوز ذلك؟

**لقد غدا الصراع بين السنة الشيعة معقدًا لدرجة كبيرة، وتحول لجزء  من آليات الغرب في تفكيك وتفتيت العالم العربي والإسلامي، لأن جزءًا من محاولة إضعافه أن ينشغل بهذا الصراع، ليس هناك من حل إلا العودة إلى أن السنة والشيعة مذاهب في الفقه، كما يصلي الشافعي وراء المالكي والمالكي وراء الحنفي، وكما تتفاعل المذاهب مع بعضها البعض في نقاش جيد ومثمر، فضلا عن أن عالمنا الإسلامي فسيح الأركان يمكن أن يحتمل كل هذه المذاهب، لكن أن تتحول الأمور لصراع عقائدي وصراع على الجغرافيا وتهميش السُّنة لحساب الشيعة، أو ضرب الشيعة لصالح السُّنة، ستظل القضية مشتعلة لا يستفيد منها أحد في العالم الإسلامي إنما يستفيد منها الغرب أولا وأخيرًا.

اضافة تعليق