ثقافة جلد الذات أقصر طريق للفشل

أ.د محمود الصاوي السبت، 05 يناير 2019 10:42 ص
120193135017845013597

آفة من الآفات الثقافية والاجتماعية المنتشرة في ثقافتنا المصرية بكل أسف اعتقادًا ممن يقومون بها ويمارسونها، أنهم بذلك قد قاموا بأداء الواجب عليهم، فاستراحت ضمائرهم، وبردت نار الإحساس بالفشل السارية بين ضلوعهم وجوانحهم!!

وما يدري هولاء المساكين أنهم زادوا الطين بلة، ولم يحققوا شيئًا يذكر، وأنهم اختاروا أقصر الطرق لمواصلة الفشل واستمراره. 

إن جلد الذات والتقريع للنفس أو للآخرين أشبه بحقن المورفين، أو المخدرات والمسكنات، التي ربما أشعرت صاحبها بشعور وهمي بالراحة، ولكنه في الحقيقة لم يفعل شيئًا.

من أهم القصص التي لاتفارق خاطري، قصة هذا الطفل الأوربي الذي كتبت له المدرسة رسالة إلى أمه، إنه "أغبى طفل التحق بالمدرسة وأنه لايصلح للتعليم"، وبدلاً من انفجار ماسورة جلد الذات والتقريع في وجهه من قبل أمه، إذا بهذه السيدة الحكيمة العظيمة تستبدل الرسالة وتجعلها: "ابنك عبقري ومستواه الدراسي فوق مستوى المدرسين. علميه بنفسك"،.

وقدمتها لولدها على أنها رسالة من المدرسة إليها، وتبدأ معه رحلة التعليم الذاتي، وتحضر له المعلمين، وتواصل معه السهر والتعب، ليتحقق له بصدق، وفي الواقع معني العبقرية الذي غرسته فيه والدته، ويصبح صاحب أعظم اختراع انتفعت به البشرية كلها ومليارات البشر، إنه العبقري "إديسون".


تخيلوا معي، لو أن هذه السيدة استسلمت لثقافة التقريع وجلد الذات ماذا كان يمكن لها أن تفعل بولدها، ثم انظر بعد ذلك لحكمتها وعبقريتها، وكيف حولت مسار ولدها واتجهت لثقافة غرس الثقة وتجاوز الألم وتمرير المِحنة التي تعرض لها ولدها، وكيف جنت منها وولدها أعظم النتائج للبشرية كلها.

ليتنا نتخلص جميعا من هذه الآفة الثقافية المتفشية ونقضي على هذا المرض الثقافي الخطير.. جلد الذات وتوليد الإحباط.

إن المنبت الذي حمل نفسه فوق طاقتها، وأسرف في جلد ذاته دون ادراك لطبيعة النفس وأسرارها وتقلباتها، "لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"، فلا هو وصل إلى هدفه، ولا بلغ الجهة التي كان يستهدف الوصول ‘ليها، ولا أبقى راحلته ووسيلته للوصول وعزيمته وهمته وحماسته سليمة مشتعلة متوقدة. لكي يستخدمها في وقت لاحق.

عليك أن تفهم ذاتك أولاً، ثم تقبل ذاتك، واعمل على تطويرها بالمعارف والعلوم والفنون المتنوعة، فإن جلد الذات شعور سلبي ينبع من رغبة قوية لدى الانسان لمواجهة الفشل، لكن ليس عن طريق مواجهته، بل عن طريق الهروب منه لعجز الفرد عن إدراك مواطن قوته ومواطن ضعفه.

إن مرض جلد الذات هو التربة الخصبة، لتنامي فيروسات عدم القدرة على مواجهة الأزمات، وعدم القدرة على الإبداع وانعدام الأمل في مستقبل مشرق.

إنه نوع من الاحتراق النفسي، علينا إن أردنا نجاحًا في حياتنا وتقدمًا في إنتاجنا، وسلامة لأرواحنا وأنفسنا وعقولنا وقلوبنا، أن نتخلص من هذه الآفة القاتلة.

اضافة تعليق