كيف وصلتك حكايات "كليلة ودمنة؟".. الحقيقة فاقت الخيال

الجمعة، 04 يناير 2019 02:22 م
bposts20170829130256



عندما تسمع عن كليلة ودمنة، يتبادر إلى ذهنك الخيال، وحكايات الأساطير، لكن بعيدًا عن جوهر المعاني الذي تحمله هذه القصص والحكايات، فإن هناك جهدًا حقيقيًا بذل في تدوين هذا الكتاب، وكيف تم استقدامه من الهند إلى بلاد فارس.

ولولا استقدامه لما وصل إلينا ولا عرفنا به، حيث كان من محفوظات "كسرى"، وهي النسخة التى ترجمها "ابن المقفع" إلى العربية، ومنها إلى لغات العالم، فكيف تم استقدام الكتاب من الهند؟.
بعد أن قام الفليسوف الهندى "بيدبا" بتصنيف كتاب كليلة ودمنة وتقديمه لملك الهند " دبشليم"، أمر بحفظه في مكتبة الهند، ومنع خروجه أو نسخه خارجها، لكن سمع بذلك الملك كسرى، فبعث طبيبه الخاص في رحلة سرية، لجلب الكتاب من الهند.
بعثة برزويه إلى بلاد الهند
كان الملك كسرى  أنوشروان منح من العقل أفضله، ومن العلم أجزله؛ ومن المعرفة بالأمور أصوبها، ومن البحث عن الأصول والفرع أنفعه؛ وبلغه من فنون اختلاف العلم،وبلوغ منزلة الفلسفة، ما لم يبلغه ملكٌ قط من الملوك قبله؛ حتى كان فيما طلب وبحث عنه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند، علم أنه أصل كل أدب ورأس كل علمٍ، والدليل على منفعةٍ، ومفتاح عمل الآخرة وعلمها، ومرعبة النجاة من هولها؛ فأمر الملك وزيره بزرجمهر أن يبحث له عن رجل أديبٍ عاقل من أهل مملكته، بصير بلسان الفارسية، ماهر في كلام الهند؛ ويكون بليغاً باللسانين جميعاً، حريصاً على طلب العلم مجتهداً في استعمال الأدب، مبادراً في طلب العلم، والبحث عن كتب الفلسفة.
 فأتاه برجلٍ أديب كامل العقل والأدب، معرفٍ بصناعة الطب، ماهر في الفارسية والهندي يقال له "بروزيه" فلما دخل عليه، قال له الملك: يا بروزيه: إن قد اخترتك لما بلغني من فضلك وعلمك وعقلك، وحرصك على طلب العلم حيث كان.
 وقد بلغني عن كتاب بالهند مخزون في خزائنهم، وقص عليه ما بلغه عنه.
وقال له: تجهز فإني مرحلك إلى أرض الهند؛ فتلطف بعقلك وحسن أدبك وناقد رأيك، لاستخراج هذا الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم؛ فتستفيد بذلك وتفيدنا. وما قدرت عليه من كتب الهند مما ليس في خزائننا منه شيءٌ فأحمله معك؛ وخذ معك من المال ما تحتاج إليه، وعجّل ذلك، ولا تقصر في طلب العلوم وإن أكثرت فيه النفقة، فإن جميع ما في خزائني مبذول لك في طلب العلوم.
 وأمر بإحضار المنجمين؛ فاختاروا له يوماً يسير فيه، وساعة صالحةً يخرج فيها. وحمل معه من المال عشرين جراباً؛ كل جرابٍ فيه عشرة آلاف دينار.
 فلما قدم بروزيه بلاد الهند طاف بباب الملك ومجالس السوقة، وسأل عن خواص الملك والأشراف والعلماء والفلاسفة؛ فجعل يغشاهم في منازلهم، ويتلقاهم بالتحية، ويخبرهم بأنه رجل غريب قدم بلادهم لطلب العلوم والأدب، وأنه محتاج إلى معاونتهم في ذلك.
 فلم يزل كذلك زماناً طويلاً يتأدب عن علماء الهند بما هو عالم بجميعه؛ وكأنه لا يعلم منه شيئاً؛ وهو فيما بين ذلك يستر بغيته وحاجته.
كشف أمره:
 واتخذ في تلك الحالة لطول مقامه أصدقاء كثيرة من الأشراف والعلماء والفلاسفة والسوقة ومن أهل كل طبقة وصناعةٍ؛ وكان قد اتخذ من بين أصدقائه رجلاً واحداً قد اتخذه لسره وما يحب مشاورته فيه؛ للذي ظهر له من فضله وأدبه، واستبان له من صحة إخائه؛ وكان يشاوره في الأمور، ويرتاح إليه في جميع ما أهمه.
إلا أنه كان يكتم منه الأمر الذي قدم من أجله لكي يبلوه ويخبره، وينظر هل هو أهل أن يطلعه على سره.
 فقال له يوماً وهما جالسان: يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك،  فاعلم أنني لأمرٍ قدمت، وهو غير الذي يظهر مني؛ والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره، حتى يعلم سر نفسه وما يضمره قلبه.
قال له الهندي: إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بما جئت له، وإياه تريد؛ وأنك تكتم أمراً تطلبه، وتظهر غيره؛ ما خفي على ذلك منك، ولكني لرغبتي في إخائك، كرهت أن أواجهك به، وإنه قد استبان ما تخفيه مني.
 فأما إذ قد أظهرت ذلك، وأفصحت به وبالكلام فيه، فإني مخبرك عن نفسك، ومظهر لك سريرتك، ومعلمك بحالك التي قدمت لها؛ فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة، فتذهب بها إلى بلادك، وتسربها ملكك.
 وكان قدومك بالمكر والخديعة، ولكني لما رأيت صبرك، ومواظبتك على طلب حاجتك، والتحفظ من أن يسقط منك الكلام، مع طول مكثك عندنا، بشيءٍ يستدل به على سريرتك وأمورك، ازددت رغبةً في إخائك، وثقة بعقلك، فأحببت مودتك،  فإني لم أر في الرجال رجلاً هو أرصن منك عقلاً، ولا أحسن أدباً، ولا أصبر على طلب العلم ولا أكتم لسره منك؛ ولا سيما في بلاد الغربة، ومملكة غير مملكتك، عند قومٍ لا تعرف لغتهم. وإن عقل الرجل ليبين في ثماني خصال: الأولى الرفق، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة طاعة الملوك، والتحري لما يرضيهم. والرابعة معرفة الرجل موضع سره، وكيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه. والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديباً.
والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظاً.
 والسابعة أن يكون على لسانه قادراً، فلا يتكلم إلا بما يأمن تبعته.
 والثامنة إن كان بالمحفل لا يتكلم إلا بما يسأل عنه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه،  وهذه الخصال كلها قد اجتمعت فيك، وبانت لي منك.
وكان الهندي خازن الملك، وبيده مفاتيح خزائنه،  فأجابه إلى ذلك الكتاب وغيره من الكتب، فأكبّ على تفسيره ونقله من اللسان الهندي إلى اللسان الفارسي؛ وأتعب نفسه، وأسهر بدنه ليلاً ونهاراً،  وهو مع ذلك وجلٌ وفزعٌ من ملك الهند؛ خائفٌ على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في وقتٍ لا يصادفه في خزائنه.
رجوعه إلي كسرى:
فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من سائر الكتب،  كتب إلى أنوشروان يعلمه بذلك.
 فلما وصل إليه الكتاب، سر بذلك سروراً شديداً، ثم تخوف معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة؛ فكتب إلى بروزيه يأمره بتعجيل القدوم. فسار بروزيه متوجهاً نحو كسرى.
 فلما رأى الملك أنه قد مسّه من الشحوب والتعب والنصب، قال له: أيها العبد الناصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، أبشر: فإني مشرفك وبالغٌ بك أفضل درجةٍ.
وأمره أن يريح بدنه سبعة أيام،  فلما كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه الأمراء والعلماء.
 فلما اجتمعوا، آمر بروزيه بالحضور،  فحضر ومعه الكتب؛ ففتحها وقرأها على من حضر من أهل المملكة.
فلما سمعوا ما فيها من العلم فرحوا فرحاً شديداً؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا بروزيه وأثنوا عليه؛ وأمر الملك أن تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؛ وأمره أن يأخذ من الخزائن ما شاء من مالٍ أو كسوةٍ؛ وقال: يا بروزيه إني قد أمرت أن تجلس على مثل سريري هذا، وتلبس تاجاً، وتترأس على جميع الأشراف.
فشكر الملك وأثنى عليه وقال:  إني بحمد الله مستغنٍ عن المال بما رزقني الله على يد الملك .
 قال أنوشروان: قل فكل حاجةٍ لك من قبلنا مقضيةٌ، ولم نرد طلبتك؛ فكيف ما سوى ذلك؟ فقل وتحتشم؛ فإن الأمور كلها مبذولة لك
 قال بروزيه: أيها الملك لا تنظر إلى عنائي في رضاك وانكماشي في طاعتك؛ فإنما أنا عبدك يلزمني بذل مهجتي في رضاك؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيماً ولا واجباً على الملك؛ ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى مجازاتي؛ وخصني وأهل بيتي بعلو المرتبة ورفع الدرجة؛ حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدنيا والآخرة لفعل.، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء.
قال أنوشروان: اذكر حاجتك، فعلى ما يسرك.
 فقال بروزيه: حاجتي أن يأمر الملك وزيره، ويقسم عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته، ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلامٍ متقنٍ محكمٍ؛ ويجعله باباً يذكر فيه أمري ويصف حالي؛ ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه.
 ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل أبواب الكتاب الأصلى.
فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته وما سمت إليه نفسه من محبة إبقاء الذكر استحسنوا طلبته واختياره، وقال كسرى: حباً وكرامةً لك يا بروزيه، إنك لأهل أن تسعف بحاجتك؛ فما أقل ما قنعت به وأيسره عندنا! وإن كان خطره عندك عظيماً.
 ثم أقبل أنوشروان على وزيره فقال له: قد عرفت مناصحة بروزيه لنا، وتجشمه المخاوف والمهالك فيما يقربه منا، وإتعابه بدنه فيما يسرنا، وما أتى به إلينا من المعروف، وما أفادنا الله على يده من الحكمة والأدب.
 وأمر الملك بمال جزيل وكسوةٍ وحليٍ وأوانٍ؛ فلم يقبل من ذلك شيئاً غير كسوةٍ كانت من ثياب الملوك.
ثم شكر له ذلك بروزيه وقبل رأسه ويده؛ وأقبل بروزيه على الملك وقال: أدام الله لك الملك والسعادة فقد بلغت بي وبأهلي غاية الشرف بما أمرت به الوزير من صنعه الكتاب في أمري وإبقاء ذكري.

اضافة تعليق