كيف توظف معطيات بيئتك؟.. تعلم من هذا القرد

الجمعة، 04 يناير 2019 02:18 م
كيف توظف معطيات بيئتك ..تعلم من هذا القرد


من المعروف أن الإنسان هو ابن بيئته، تؤثر فى أخلاقه، وفي تكوينه النفسي، ولكن يظهر مكانة الإنسان وعظمته في توظيف ما منّ الله عليه من معطيات هذه البيئة، خاصة فيما يتعلق بالخطر الذى يهدم عليه ويلاحقه.

ومن جميل ما روى في ذلك قصة القرد مع "ذكر السلحفاة"، وكيف وقع في ورطة فتخلص القرد بذكائه الفطري، والاجتماعي، من موت محقق.

زعموا أن قرداً يقال له "ماهر" كان ملك القردة وكان قد كبر وهرم فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة فتغلب عليه، وأخذ مكانه فخرج هارباً على وجهه حتى انتهى إلى الساحل فوجد شجرة من شجر التين فارتقى إليها وجعلها مقامه.
 فبينما هو ذات يوم يأكل من ذلك التين، إذا سقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتاً وإيقاعاً فجعل يأكل ويرمي في الماء، فأطربه ذلك: فأكثر من طرح التين في الماء وثم يوجد ذكر السلحفاة كلما وقعت تينة أكلها.
 فلما كثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته، وأنس إليه وكلمه، وألف كل واحد منهما صاحبه. وطالت غيبة ذكر السلحفاة عن زوجته: فجزعت عليه وشكت ذلك إلى جارة لها وقالت: قد خفت أن يكون قد عرض له عارض سوء فاغتاله.
 فقالت لها: إن زوجك بالساحل قد ألف قرد وألفه القرد: فهو مؤاكله ومشاربه، وهو الذي قطعه عنك، ولا يقدر أن يقيم عندك حتى تحتالي لهلاك القرد.
 قالت وكيف أصنع؟ قالت لها جارتها: إذا وصل إليك فتمارضي، فإذا سألك عن حالك فقولي: إن الحكماء وصفوا لي قلب قرد.
ثم إن ذكر السلحفاة انطلق بعد مدة إلى منزله فوجد زوجته سيئة الحال مهمومةً فقال لها : مالي أراك هكذا، فأجبته جارتها، وقالت: إن زوجتك مريضة مسكنة.
 وقد وصف لها الأطباء قلب قرد، وليس لها دواء سواه قال: هذا أمر عسير من أين لنا قلب قرد، ونحن في الماء؟ لكن سأحتال لصديقي، ثم انطلق إلى ساحل البحر: فقال له القرد يا أخي، ما حبسك عني؟
 قال : ما حبسني إلا حيائي: فلم أعرف كيف أجازيك على إحسانك إلي؟ وأريد أن تتم إحسانك إلي بزيارتك أي في منزلي فإن ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة.
 فركب ظهر زوج السلحفاة ، فسبح به حتى إذا سبح به عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر، فنكس رأسه، فقال له القرد: مالي أراك مهتماً؟ قال : إنما همي لأني ذكرت أن زوجتي شديدة المرض وذلك بمنعي من كثير مما أريد أن أبلغه من حرصك على كرامتك وملاطفتك.
 قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكليف.
 قال ذكر السلحفاة : أجل ومضى بالقرد ساعةً، ثم توقف به ثانية: فساء ظن القرد وقال في نفسه: ما احتباس زوج السلحفاة وإبطاؤه إلا لأمر ولست آمناً أن يكون قلبه قد تغير لي وحال عن مودتي، فأراد بي سوءاً: فإنه لا شيء أخف وأسرع تقلباً من القلب.
 وقد يقال: ينبغي للعاقل ألا يغفل عن التماس ما نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي كل لحظة وكلمة وعند القيام والقعود، وعلى كل حال فإن ذلك كله يشهد على ما في القلوب وقد قالت العلماء إذا دخل قلب الصديق من صديقه ريبة فليأخذ بالحزم في الحفظ منه وليتفقد ذلك في لحظاته وحالاته فإن كان ما يظن حقاً ظفر بالسلامة، وإن كان باطلاً ظفر بالحزم، ولم يضره ذلك.
 ثم قال القرد: ما الذي يحبسك؟ ومالي أراك مهتماً، كأنك تحدث نفسك مرة أخرى؟ قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا تجد أمري كما أحب: لأن زوجتي مريضة.
 قال القرد: لا تهتم فإن الهم لا يغني عنك شيئاً ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية: فإنه يقال ليبذل ذو المال ماله في أربعة مواضع: في الصدقة وفي الحاجة وعلى البنين وعلى الأزواج.
فقال ذكر السلحفاة: صدقت ، وقد قال الأطباء إنه لا دواء لها إلا قلب قرد،  فقال القرد واأسفاه لقد أدركني الحرص والشر على كبر سني: حتى وقعت في شر ورطة ولقد صدق الذي قال: يعيش القانع الراضي مستريحاً مطمئناً وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب.
وفكر القرد ماذا يفعل فقال : إني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه. ثم قال لزوج السلحفاة : وما منعك أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فهذه عادة مشهورة بيننا معاشر القردة إذا خرج أحد لزيارة صديق خلّف قلبه عند أهله أوفي موضعه، للنظر إذا نظرنا إلى حرمة المزور وليس قلوبنا معنا.
 قال زوج السلحفاة : وأين قلبك الآن؟ قال: خلّفته في الشجرة فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة حتى آتيك به ففرح بذلك وقال: لقد وافقني صاحبي بدون أن أغدر به.
 ثم رجع بالقرد إلى مكانه فلما أبطأ عليه ناداه: يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد حبستني فقال القرد: هيهات احتلت عليَّ وخدعتني فخدعتك بمثل خديعتك، واستدركت أمري. وقد قيل: إن الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم.

اضافة تعليق