الحلم صفة الأنبياء.. فلا تطلق الرصاص من فمك

الخميس، 03 يناير 2019 10:31 ص
قبل ما ينطلق الرصاص من فمك



يحتاج الإنسان لنحو دقيقتين أو أكثر في بعض المواقف التي يفاجأ بها وتثير غضبه وتؤدي لانفعاله، من أجل أن يتصرف بحكمة، وألا يكون ردة فعله غير مدروسة، وتظهر بشكل عشوائي، ربما تضيع حقه في النهاية.


وهذا ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم بالحلم، حيث يعاني الإنسان من التسرع في بعض المواقف الحياتية، من تعليق على مواقف قد تغضبك، أو الإيقاع بينك وبين شخص آخر، ما قد يدفعك للنميمة والسباب، وهذا يخالف ما ينبغي أن نسير عليه في حياتنا.


فإذا نظرت في بعض المواقف، تجد أنك ربما تسمع شيئًا قد يغضبك، وربما لا تجد من تصب فيه هذا الغضب، فتضطر للسكينة، حتى يسيطر الهدوء عليك، ومع قليل من التفكير، والهدوء، تجد أنك كنت على وشك فعل كارثة، أو اتخاذ موقف ربما يحسب عليك، حال وجدت من تصب فيه غضبك، إلا أن الهدوء سيطر على عقلك، ودفعك للتصرف بالحكمة المطلوبة.

 الحِلم خُلُقٌ عظيم مِن أخلاق الإسلام، وهو ضبطُ النفس عند الغضب، وكفُّها عن مقابلة الإساءة بالإساءة، مع تحكيم المسلم دينَه وعقلَه عند إيذاء الآخرين له، مع قُدرته على ردِّ الإيذاء بمثله، والحليم اسمٌ مِن أسماء الله الحُسْنَى.


 يقول الإمام أبو حامد الغزالي في بيان معنى الحليم: "الحليم هو الذي يُشاهد معصية العُصاة، ويرى مخالفة الأمْر، ثم لا يَستفزُّه غضبٌ، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المشاركة إلى الانتقام، مع غاية الاقتدار".


  والحلم هو خلق الأنبياء، فقال تعالىف ي إبراهيم: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود: 75]، كما وَصَف إسماعيل عليه السلام بالحِلم في قوله تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]، كما وَرَدَتْ آيات قرآنية عديدةٌ تشير إلى هذا الخُلق الفاضل، وتدْعو المسلمين إلى ضرورة التحلِّي به؛ قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]، وقال عز وجل: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].


كما بلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم قمَّةَ هذا الخُلق العظيم، ونَعرض لهذا الموقفِ الذي يُبيِّن حِلمَه صلى الله عليه وسلم، وسَعة صدْره؛ فعن أنس بن مالك قال: كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدرَكَه أعرابيٌّ فجذبه بردائه جذبة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَت بها حاشية البُرد؛ من شدة جذْبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أَمَر له بعطاء.


ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التحلِّي بهذا الخُلق الفاضل في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة؛ فعن سهل بن معاذ، عن أبيه؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مَن كَظَم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاهُ اللهُ يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره مِن أيِّ الحُور العين شاء"؛ (رواه أبو الدينا في ذم الغضب).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، آواه الله في كنَفِه، وسَتَر عليه برحمته، وأَدخلَه في محبَّته: مَن إذا غضب فَتَر"؛ (رواه الحاكم).


ومما وَرَد مِن بعض الرجال الذين اتَّصَفوا بهذا الخُلق الرفيع والأدب الجمِّ: أنَّ رجلًا سبَّ الأحنفَ بن قيس وهو يُماشيه في الطريق، فلما قرُب مِن المنزل، وقف الأحنف بن قيس وقال: يا هذا، إن كان بقي معك شيء، فقُله ها هنا؛ فإني أخاف إنْ سمعَك فتيانُ الحيِّ أن يؤذوك.


وقال علي رضي الله عنه: "من لانتْ كلمتُه، وجبتْ محبَّتُه، وحِلْمك على السفيه، يكثر أنصارك عليه".


وقيل لقيس بن عاصم: ما الحِلم؟ قال: "أن تصِل مَن قطعك، وتعطي مَن حرَمك، وتعفو عمَّن ظلمك".

وقال الحسن رضي الله عنه: "المؤمن حليم لا يَجهَل وإنْ جَهِلَ الناسُ عليه"، وتلا قوله تعالى: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" [الفرقان: 63].

وشتم رجلٌ الشعبيَّ، فقال له:"(إنْ كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذبًا فغفر الله لك".

 وأسمعَ رجلٌ عمرَ بن عبد العزيز بعضَ ما يكره، فقال: "لا عليك؛ إنما أردتَ أنْ يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليومَ ما تناله مني غدًا، انصرف إذا شئتَ".










اضافة تعليق