تحبّ أن تكون فصيحًا.. تعلّم من هؤلاء؟

الأربعاء، 02 يناير 2019 01:45 م
تحبّ أن تكون فصيحا.. تعلّم من هؤلاء؟


حينما تسمع شخصًا يحسن الكلام، فإنك تجد نفسك كما الجميع مجذوبًا لسماعه، ولذلك جاء في الأثر: "إن من البيان لسحراً..وإن من الشعر لحكمة".

فالفصاحة محببة للنفس، وقد عرفها الإمام فخر الدين الرازي بأنها: "خلوص الكلام من التعقيد، وأصلها من قولهم أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة".

وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة، بل يستعملونهما استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحدة في تسوية الحكم بينهما.

ويزعم بعضهم أن البلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ، ويستدل بقولهم معنى بليغ ولفظ فصيح.

وكان يحيى بن خالد يقول: "ما رأيت رجلاً قط إلا هبته حتى يتكلم، فإن كان فصيحا عظم في صدري، وإن قصر سقط من عيني".

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم من عمه العباس كلامًا فصيحًا فقال: بارك الله لك يا عم في جمالك.. أي فصاحتك.

وقال حكيم: كما أن الآنية تمتحن بأطيانها، فيعرف صحيحها من مكسورها، فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه.

وقال عبد الملك لرجل: حدثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح، فإن الحديث يفتح بعضه بعضًا.

وقال الشّعْبِي: كنت أحدث عبد الملك بن مروان وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها أصلحك الله، فإن الحديث من وراء ذلك، فيقول: والله لحديثك أحب إلي منها.

وقال ابن عيينة: الصمت منام العلم، والنطق يقظته، ولا منام إلا بتيقظ ولا يقظة إلا بمنام.

ومر رجل بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ومعه ثوب، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أتبيعه؟ فقال: لا، رحمك الله، فقال أبو بكر: لو تستقيمون لقومت ألسنتكم، هلا قلت: لا ورحمك الله.

وحكي أن المأمون سأل يحيى بن أكثم عن شيء، فقال: لا، وأيد الله أمير المؤمنين، فقال المأمون: ما أظرف هذه الواو وأحسن موقعها.

وحجّ مع ابن المنكدر شابان، فكانا إذا رأيا امرأة جميلة قالا: قد أبرقنا، وهما يظنان أن ابن المنكدر لا يفطن، فرأيا قبة فيها امرأة، فقالا: بارقة، وكانت قبيحة، فقال ابن المنكدر: بل صاعقة.

وكان أصحاب أبي علي الثقفي إذا رأوا امرأة جميلة يقولون: حجة، فعرضت لهم قبيحة، فقالوا: "داحضة".

وكتب إبراهيم بن المهدي- عم المأمون- : إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك العناء الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك الألفاظ السفل.

ويقال: القول على حسب همة القائل يقع والسيف بقدر عضد الضارب يقطع.

وقال الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام علي حتى مضى رضي الله تعالى عنهم، ولا والله ما رأيت فيهم أبلغ من عائشة.

وقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أبلغ من عائشة رضي الله تعالى عنها، ما أغلقت بابًا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته.

حكايات الذكاء والفصاحة:

 ما حكي أن رجلاً كان أسيرًا في بني بكر بن وائل وعزموا على غزو قومه، فسألهم في رسول يرسله إلى قومه، فقالوا: لا ترسله إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم وتحذرهم، فجاءوا بعبد أسود، فقال له: أتعقل ما أقوله لك، قال: نعم إني لعاقل، فأشار بيده إلى الليل، فقال: ما هذا؟ قال: الليل. قال: ما أراك إلا عاقلا، ثم ملأ كفيه من الرمل وقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيما أكثر، النجوم أم النيران؟ قال: كل كثير، فقال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم يكرموا فلانا يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر بن وائل، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج قد دنا وشكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بأمارة ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث.

 فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهب، ثم دعوا بأخيه الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم، أما قوله: قد دنا العرفج، يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح وأما قوله: شكت النساء أي أخذت الشكاء للسفر، وأما قوله: أعروا ناقتي الحمراء أي ارتحلوا عن الدهناء، واركبوا الجمل الأصهب، أي الجبل. وأما قوله: أكلت معكم حيسا، أي أن أخلاطا من الناس قد عزموا على غزوكم لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا أمره وعرفوا لحن الكلام وعملوا به فنجوا.

وأسرت طيء غلامًا من العرب، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطوا عليه، فقال أبوه: والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبل طيء ما عندي غير ما بذلته ثم انصرف، وقال: لقد أعطيته كلامًا إن كان فيه خير فهمه، فكأنه قال له: الزم الفرقدين يعني في هروبك على جبل طيء، ففهم الابن ما أراده أبوه وفعل ذلك فنجى.

وحكي أن معاوية رضي الله تعالى عنه بينما هو جالس في بعض مجالسه وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، وكان آخر كلامه أن لعن عليا رضي الله تعالى عنه ولعن لاعنه، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين ودع عنك عليا رضي الله تعالى عنه، فلقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه الطاهر ثوبه العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف لقد تكلمت بما تكلمت، وأيم الله لتصعدن على المنبر فتلعنه طوعا أو كرها، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين إن تعفي فهو خير لك وإن تجبرني على ذلك، فو الله لا تجري شفتاي به أبدًا، فقال: قم فاصعد، قال: أما والله لأنصفنك في القول، والفعل، قال: وما أنت قائل إن أنصفتني، قال:

أصعد المنبر، فأحمد الله وأثني عليه، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم أقول: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإن معاوية وعليا اقتتلا فاختلفا، فادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعنا كثيرا أمنوا رحمكم الله. يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفا ولو كان فيه ذهاب روحي. فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر.

ودخلت امرأة على هرون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين: أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك، وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت، فقال لها: من تكونين أيتها المرأة. فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم، وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم.

فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردود إليك، ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة.

 فقالوا: ما نراها قالت إلا خيرًا، قال: ما أظنكم فهمتم ذلك، أما قولها أقر الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها: وفرحك بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، وأما قولها: وأتم الله سعدك، فأخذته من قول الشاعر:

إذا تم أمر بدا نقصه ** ترقب زوالا إذا قيل تم

 

وأما قولها لقد حكمت فقسطت، فأخذته من قوله تعالى: أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا ، فتعجبوا من ذلك.

وحكي عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى: أنه سئل وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته، وهم فريقان قوم سنية وقوم شيعة، فقيل له: من أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر أم علي رضي الله عنهما، فقال: أفضلهما بعده من كانت ابنته تحته، فأرضى الفريقين ولم يرد إلا أبا بكر رضي الله عنه لأن الضمير في ابنته يعود إلى أبي بكر رضي الله عنه، وهي عائشة رضي الله عنها، وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيعة ظنوا أن الضمير في ابنته يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فاطمة رضي الله عنها، وكانت تحت علي رضي الله عنه، فهذه منه جيدة حسنة.

اضافة تعليق