"الشعراوي" يكشف سر التقوى حين المرض

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018 03:18 م



"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183)".

يقول العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي:

إن كل معاصي النفس تنشأ من شرة ماديتها، والصيام يضعف وقود المادية، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاء للشباب المراهقين وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

وكأن عملية المراهقة، لما بنية الجسم تأخذ حظها من القوة والوقود تعطيها الحركة، بخلاف ما تكون عليه عند انكسارها، لذلك أفحل شخص وأفضلهم صحة تجده قبل المغرب "هفتان"، لأن السعار الموجود بداخله خمد.

إذ الحق سبحانه وتعالى في قوله: "لعلكم تتقون"، أعطانا أن وقود المادة هو الذي يعطي السعار، وهو الذي يدفع الإنسان إلى ارتكاب المعاصي، لذلك تجد الإنسان أقرب ما يكون إلى التقوى والامتثال، حين يصاب بالمرض، أو يصاب بالهم، أو يتعرض لمصيبة وبلوى.

"ولعلكم تتقون"، يعطينا فترة أقلل وقود المادة حتى يقل سعر المادة، وبعد ذلك تلحظ أنت في نفسك حلاوة استقامتك شهرًا كاملاً، وربما حلت لك الاستقامة، فتستمر حلاوة الاستقامة حتى ما بعد رمضان.

 والحق لا يطلب منك الاستقامة في رمضان فقط، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة لتشيع من بعد ذلك في كل حياتك؛ لأن اصطفاء الله لزمان أو اصطفاء الله لمكان أو لإنسان ليس لتدليل الزمان، ولا لتدليل المكان، ولا لتدليل الإنسان، وإنما يريد الله من اصطفائه لرسول أن يشيع أثر اصطفاء الرسول في كل الناس.

ولذلك نجد تاريخ الرسل مليئًا بالمشقة والتعب، وهذا دليل على أن مشقة الرسالة يتحملها الرسول وتعبها يقع عليه هو. فالله لم يصطفه ليدلله، وإنما اصطفاه ليجعله أسوة.

وكذلك يصطفي الله من الزمان أيامًا لا ليدللها على بقية الأزمنة، ولكن لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يشيع اصطفاء هذا الزمان في كل الأزمنة، كاصطفائه لأيام رمضان، والحق سبحانه وتعالى يصطفي الأمكنة ليشيع اصطفاؤها في كل الأمكنة وعندما نسمع من يقول: زرت مكة والمدينة وذقت حلاوة الشفافية والإشراق والتنوير، ونسيت كل شيء.

إن من يقول ذلك يظن أنه يمدح المكان، وينسى أن المكان يفرح عندما يشيع اصطفاؤه في بقية الأمكنة؛ فأنت إذا ذهبت إلى مكة لتزور البيت الحرام، وإذا ذهب إلى المدينة لتزور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا تتذكر في كل الأمكنة أن الله موجود في كل الوجود، وأن قيامك بأركان الإسلام وسلوك الإسلام هو تقرب من الله ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

صحيح إن تعبدك وأنت في جوار بيت الله، يتميز بالدقة وحسن النية. كأنك وأنت في جوار بيت الله وفي حضرة رسول الله تستحي أن تفعل معصية. وساعة تسمع الله أكبر تنهض للصلاة وتخشع، ولا تؤذي أحدًا، إذن لماذا لا يشيع هذا السلوك منك في كل وقت وفي كل مكان؟ إنك تستطيع أن تستحضر النية التعبدية في أي مكان، وستجد الصفاء النفسي العالي.

إذن فحين يصطفي الله زمانًا أو مكانًا أو يصطفي إنسانًا إنما يشاء الحق سبحانه وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس، واصطفاء المكان في كل الأمكنة، واصطفاء الزمان في كل الأزمنة، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن، وبعد أن ينتهي رمضان ينسون ذلك.

وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا رمضان ، أم أن رمضان جاء ليحرس كل الزمان؟

اضافة تعليق