شايف نفسك "فتك" و"فهلوي".. أصحاب السبت سبقوك وكان هذا جزاؤهم

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018 01:17 م
شايف نفسك




أصبح من السهل في الوقت الحاضر، التفاف بعض الناس على النصوص، وتأويلها تأويلاً يخدم مصالحهم، من أجل الهروب من تكاليف الله عز وجل، فأشهروا سلاح المصلحة في وجه النص وعبروا عن هذا الهدف بعبارات متنوعة، ترجع في مجملها إلى التشكيك وعدم الاعتراف للوحي بالقدسية والأسبقية في فهم الأمور، أو القدرة على معالجتها.



وفي ذلك قال الله تعالى: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (72) وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [آل عمران: 72، 73].


فلا يمكن أن تكون علاقة الإنسان بالوحي علاقة نفعية محضة؛ إذا تبناه وأنجز يزداد تبنيًا له، وإذا أخفق تركه، فهذا الهزل في التعامل لا يليق بالفكر الجاد، فضلا عن الدين، قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين} [الحج: 11].


وهذا نموذج صارخ للالتفاف على النصوص الشرعية من طرف بعض الناس، وهو ما وقع فيه أصحاب السبت من اليهود.


ولو طبقنا منطق أصحاب السبت، في الوقت الحاضر، لأصبح الحرام حلالاً، من خلال هذه الخدعة التي يخادع بها الناس أنفسهم وعقيدتهم.

فالله سبحانه وتعالى، نهى أصحاب السبت عن الصيد في يوم السبت، وقد كان البلاء أن هؤلاء لم يجدوا سمكًا للصيد طوال الأسبوع سوى في هذا اليوم الذي نهى الله عنه، ليختبر إيمانهم.

وبمنطق "الفهلوة" الذي يمارسه البعض الآن، تجايل "أصحاب السبت" على الأمر الإلهي، وقاموا بوضع الشبك يوم الجمعة في المساء وجمعة بشبكهم السمك الذي وقع فيه، وانتظروا حتى انتهى يوم السبت، ثم اخذوا هذا السمك، وبذلك لم يتم الصيد في يوم السبت، ولكن تم وضع الشبكة يوم الجمعة، وتحصيل ما فيها يوم الأحد، وبالتالي قد تجنبوا الوقوع فيما نهى عنه الله يوم السبت.



منطق أعوج فيه التفاف على أوامر الله تعالى، من أجل أن يحللوا لأنفسهم ما حرمه الله، تمامًا كما يخرج عليك بعض أصحاب النفوس الضعيفة من المنتسبين للعلم، ويشرعن لك التفافك على النص، إلا أنهم يخادعون الله والله خادعهم.


يقول الله تعالى: "(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)" سورة البقرة 65".


فربما تتكرر كل يوم في حياتنا قصة أصحاب السبت، فمنا من يلتف على الحلال والحرام، فقد يطلق أحدنا على الخمر "مشروبات روحية"، والرشوه "إكرامية" ، والربا "فوائد بنكية"، والانحلال "حرية".


ولكن كل هذا يقع في تكرار لحادث أصحاب السبت، الذين سبقونا لمثل هذا الالتفاف، وقد كان هذا عقابهم.

 ما هي قصة أصحاب السبت؟


كان اليهود قبل بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، يكتمون هذه القصة لما فيها من التوبيخ والذل لهم على ما جرى مع بعض أسلافهم من بني إسرائيل من الإهلاك والمسخ، لكن الله فضحهم، عندما أوحى إلى نبيه بأحداثها ليحذر اليهود من تعنتهم وتكبرهم ورفضهم الإيمان به، وليذكرهم بما حل بإخوانهم، فقد زعم اليهود، أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به، ولذا أمر الله نبيه أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم عن هذه القرية، وهي على المشهور من أقوال المفسرين، تسمى «أيلة» على شاطئ بحر القلزم بين مدين والطور.


يقول تعالى: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ"، «الأعراف: الآيات 163 - 166».



 وتقع القرية التي ذكرت قصتها في القرآن الكريم على شاطئ البحر الأحمر، حيث يقيم كان «أصحاب السبت» الذين فسقوا، وذكر المفسرون أن هذه القصة كانت في زمن داود عليه السلام، لكن القرآن الكريم لم يذكر اسمها ولا اسم البحر الذي تقع عليه، فهنا المهم العظة.



خصص الله لهم يوم السبت للعبادة، وحرم عليهم أن ينشغلوا بأمور الدنيا، لأنهم قوم لا يحافظون على العبادة في باقي الأيام، كان بنو إسرائيل يمتنعون عن العمل والتجارة والصناعة والصيد يوم السبت، إذ كان هذا الأمر حراما في شريعتهم، ابتلاء لهم من الله، وكذلك حرم عليهم صيد السمك عقاباً وامتحاناً لهم، فكثر السمك في هذا اليوم فلم يطيقوا الصبر وتحايلوا وحبسوه فيصطادوه بعد ذلك.



وقال ابن عباس، إن اليهود كانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في هذا اليوم، وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه، وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب، فكانت الحيتان يكثر عددها في ذلك اليوم، فتأتي ظاهرة آمنة مسترسلة، فلا يهيجونها؛ لأنهم كانوا يصطادونها بقية أيام الأسبوع، حتى اختبرهم بكثرة الحيتان يوم السبت، فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها.



و اشتهى أحد أهل القرية أكل السمك فأغواه الشيطان وزين له القيام بحيلة للصيد، فأتى إلى شاطئ البحر يوم السبت ورأى سمكة كبيرة تسبح فربط ذيلها بحبل ووضع الطرف الآخر في وتد على الشاطئ وذهب، فلما انقضى النهار عاد وأخذ السمكة وشواها فانبعثت رائحتها، فأتاه جيرانه يسألونه عن ذلك، فأنكر ما فعل، ولما أصروا عليه، قال إنه جلد سمكة وجدته وشويته، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك فلما سألوه، قال إن شئتم صنعتم كما أصنع، وأخبرهم ففعلوا مثله.


وتفنن بنو إسرائيل في استعمال الحيلة للصيد يوم السبت الذي نهاهم عنه، فقام بعضهم يوم الجمعة بحفر حفر متصلة بالبحر بواسطة ممرات يسهل سدها، وكثر هذا وفعله الكثيرون، ووصل بهم الأمر إلى أن اصطادوها يوم السبت علانية وباعوها في الأسواق، فكان هذا من أعظم الاعتداء، ورأى الناس أن من صنع هذا لا يبتلى، فعمرت الأسواق بها، وأعلن الفسقة بصيدها.

لما جاهر الفساق بطريقتهم قام علماء بني إسرائيل ونهوهم وخوفوهم فلم يقبلوا، فجعلوا بينهم وبين الفساق جدارا ولم يعودوا يساكنوهم، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، «سورة الأعراف: الآية 164».

فافترقوا إلى ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت وكانوا نحوا من سبعين ألفا، وفرقة نهت وتنحت وكانوا اثني عشر ألفاً، وفرقة تنحت ولم تنه ولم تعص وهذه الأخيرة، قالت للثانية التي نهت عن الحرام، لم تعظون قوما عصاة سيهلكهم الله وسيعذبهم، فقال الناهون عن المنكر موعظتنا من باب التذكير لعلهم يتقون ويتراجعون.



وجاء أمر الله فانتقم من الذين فسقوا ومسخ شبانهم قردة وعجائزهم خنازير، فقام الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر صباحاً وذهبوا إلى أعمالهم ومجتمعاتهم فلم يروا أحداً من الفاسقين، فاستغربوا وتساءلوا فيما بينهم وقام أحدهم ووضع سلما على الجدار فلما أشرف على القوم رأى عجباً، إذ أصبح الفساق قردة لها أذناب يتعاوون ويقفزون على بعضهم، وخنازير تصدر أصواتاً قبيحة، ففتحوا عليهم الأبواب ودخلوا، وصار كل قرد يأتي قريبه من الإنس فيشم ثيابه ويبكي.

اضافة تعليق