كيف اختلفت معجزة عن القرآن عن غيرها؟

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018 10:44 ص
كيف اختلفت معجزة عن القرآن عن غيرها


يظل القرآن الكريم هو الإعجاز الأبدي، الذي عجزت البشرية عن الإحاطة بأسراره، فمن المعجزات التي خص بها الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا من بين الأنبياء، صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين، أنه لم يتحدَّ زعماء العرب وصناديد الباطل بغيرها، برغم ما ظهر على يديه من معجزات لا تحصى.

فحينما تحداهم القرآن كان على أساس ما جاء فيه فقط، على الرغم المعجزات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.

 وظهر مصطلح المعجزة، في وقت متأخر عندما دوّنت العلوم ومنها علم العقائد، في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، لذا نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كلمة "الآية" في صدر إعطاء الدلائل على معجزة القرآن، يقول تعالى:" وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَيُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 109).


كما جاء في القرآن الكريم لفظة "البينة" في قوله:" قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً" (الأعراف، آية: 73). والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية.

واستخدم القرآن لفظة "البرهان" قال تعال:" فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (القصص، آية: 32). والبرهان مبين للحجة وهو أوكد للدلالة ويقتضي الصدق لا محالة، وجاءت كلمة السلطان، قال تعالى: "تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" (ابراهيم، آية: 10).


والمعجزة هي أمر خارق للعادة مع التحدي عن المعارضة يظهره الله على يد رسله، كما أنها أمر خارق للسنة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون ولا تخضع للأسباب والمسببات ولا يمكن لأحد أن يصل إليها عن طريق الجهد الشخصي والكسب الذاتي، وإنما هو هبة من الله سبحانه وتعالى يختار نوعها وزمانها ليبرهن بها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه بالرسالة.

وتختلف المعجزة عن السحر والأعمال الدقيقة التي يمارسها بعض أهل الرياضات البدنية أو الروحية، لأن لكل من تلك الأمور أساليب يمكن لأي إنسان أن يتعلمها ويتقنها ويمارسها، إذا اتبع الأسباب والأساليب المؤدية إلى نتائجها أمكنه بواسطة الجهد الشخصي والمران والممارسة أن يتوصل إلى تلك النتائج، أما الأمور الخارقة فلا تدخل تحت طاقة البشر، ليست لها أسباب تؤدي إليها.

شروط المعجزة:

ومن شروط المعجزة أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: مثل عدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعدم إغراق الماء لموسى عليه السلام وقومه، وعدم سيلانه عليهم، ومثل القرآن الكريم.



و أن يكون الخارق من صنع الله وإنجازه، قال تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِي َبِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" (غافر، آية: 78).



ومن شروطها أيضا سلامتها من المعارضة، و  أن تقع على مقتضى قول من يدّعيها، والتحدي بها، و أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله عز وجل، و تأخر الأمر المعجز عن دعوى الرسالة.

لماذا القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى؟

يقول الدكتور محمد علي الصلابي في دراسة له عن معجزة القرآن، إنه لما زعم المشركون أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن، قال الله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" (الطور، آية: 33 ــ 35).

 ـ ثم تحداهم بعشر سور:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ــ 14).



 ثم تحداهم بسورة واحدة: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة، آية: 23 ـ 24).



 وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، آية: 38).



فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، سجل على الخلق جميعاً العجز إلى يوم القيامة بقوله تعالى: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 18).



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".



إن معجزات الأنبيـاء تتماثل مـن حيث إنهـا حسية ومخصوصة بزمنها، أو بمـن حضرها، أو منقرضة بانقراض من شاهدها، أما معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم الذي لم يعط أحد مثله، وهو أفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة، واستمرار تحديه في أسلوبه وبلاغته ومعانيه وأخباره، وعجز الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار، مع اعتناء معارضيه بمعارضته فلم ولم يقدروا، فعمَّ نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد إلى آخر الدهر، ولذلك فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً.



أما أسباب اختصاص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بهذه المعجزة الظاهرة، فلثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه، وأظهر آياته:



 إن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر من ناس دهره، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه، بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر، فصارت معجزاته ـ وإن اختلفت ـ متشاكلة المعاني، مختلفة العلل.





 إن المعجزة في كل يوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وأفهامهم، والعرب أصح الناس أفهاماً وأحدَّهم أذهاناً، فخصوا من معجزات القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم.



 وهذه المعجزة جمعت بين الدليل لما فيه من الإعجاز وغيره من وجوه الدلالة وبين المدلول بما فيه من بيان الإيمان وأدلته، وبيان الأحكام الشرعية والقصص والأمثال، والوعد والوعيد وغير ذلك من علومه التي لا تنحصر، ثم جعل مع حفظه وتلاوته من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى.. ولهذا توفرت الدواعي على حفظه على مر الدهور والعصور، ففي كل قرن ترى من حفظته ما يفوق العد والاحصاء، ويستنفذ نجوم السماء ومثل ذلك لم يتفق لغيره من الكتب الإلهية المقدسة.


اضافة تعليق