خذ نصيبك من الدنيا.. لكن احذر أن تنسى هذا الأمر

السبت، 22 ديسمبر 2018 09:21 ص
خذ حقك من الدنيا.. ولا تنس هذا الشيء

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من طول الأمل، والركون إلى الدنيا، ولذلك كان يقول: "صلّ صلاة مودع"، وكان يخرج يريد الماء فيتمسح بالتراب، فيقال له: يا رسول الله إن الماء قريب، فيقول: «وما يدريني لعلي لا أبلغه؟».

واشترى أسامة بن زيد، وليدة بمائة دينار إلى شهر، فاستغرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنيعه، وهو يقول: «ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر؟ إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت»، ثم قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده» إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة العصر فأسرع، ولم يدركه أحد، فعجب الناس من سرعته، فلما رجع إليهم عرف ما في وجوههم، فقال: «كان عندي تبر – ذهب- فكرهت أن أبيته عندي، فأمرت بقسمته».

وأصبح صلى الله عليه وسلم يومًا، فعرف في وجهه أنه بات قد أهمه أمر، فقيل: يا رسول الله إنا لا نستنكر وجهك، كأنك قد أهمك الليلة أمر، فقال: «ذاك من أوقيتين من ذهب الصدقة باتتا عندي، لم أكن وجهتهما».

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية دراهم بعد أن أمسى، فلم يزل قائمًا وقاعدًا لا يأتيه النوم، حتى سمع سائلاً يسأل، فخرج من عندي، فما عدا أن دخل، فسمعت غطيطه فلما أصبح قلت: يا رسول الله رأيتك أو الليلة قائمًا وقاعدًا لا يأتيك نوم، حتى خرجت من عندي، فما عدا أن دخلت فسمعت غطيطك قال: «أجل، أتت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثمانية دراهم بعد أن أمسى، فما ظن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن لو لقي الله وهي عنده».

ودخلت السيدة أم سلمة عليه ذات مرة، وهو ساهم الوجه، فحسبت ذلك من وجع، فقالت يا رسول الله: ما لك ساهم الوجه؟ قال: «من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس أمسينا وهي في خصم الفراش، فأتتنا، ولم ننفقها».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل مالاً عنده، ولا يبيته، يعني إن جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشية لم يبت حتى يقسمه.

ومن جميل ما ذكر في الحذر من طول الأمل: "كم قد خطر على قلب يهودي ونصراني حب الإسلام، فلا يزال إبليس يثبطه ويقول لا تعجل وتمهل في النظر، فيسوّفه حتى يموت على كفره، وكذلك يسوف العاصي بالتوبة، فيجعل له غرضه من الشهوات ويمنيه الإنابة"، كما قال الشاعر:

لا تعجل الذنب لما تشتهي .. وتأمل التوبة ما قابل

"وكم من عازم على الجد سوفه، وكم ساع إلى فضيلة ثبطه فلربما عزم الفقيه على إعاده درسه، فقال: استرح ساعة، أو انتبه العابد في الليل يصلي، فقال له عليك وقت ولا يزال يحبب الكسل ويسوّف العمل ويسند الأمر إلى طول الأمل".

 فينبغي للحازم أن يعمل على الحزم والحزم تدارك الوقت وترك التسوّف والإعراض عن الأمل فإن المخوف لا يؤمن، والفوات لا يبعث، وسبب كل تقصير في خير أو ميل، إن شر طول الأمل، فإن الإنسان لا يزال يحدث نفسه بالنزوع عن الشر والإقبال على الخير إلى أن يعد نفسه بذلك، ولا ريب أنه من الأمل أن يمشي بالنهار سار سيرًا فاترًا، ومن أمّل أن يصبح عمل في الليل عملاً ضعيفًا، ومن صور الموت عاجلاً جد، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صل صلاة مودع».

وقال بعض السلف: أنذركم «سوف» فإنها أكبر جنود إبليس، ومثل العامل على الحزم والساكن لطول الأمل، كمثل قوم في سفر فدخلوا قرية، فمضى الحازم فاشترى ما يصلح لتمام سفره وجلس متأهبًا للرحيل، وقال المفرط: سأتأهب فربما أقمنا شهرًا ، وجاء الرحيل في الحال، فاغتبط المحترز واغتبط الآسف المفرط.

 فهذا مثل الناس في الدنيا، منهم المستعد المستيقظ، فإذا جاء ملك الموت لم يندم، ومنهم المغرور المسوّف يتجرع مرير الندم وقت الرحلة، فإذا كان في الطبع حب التواني وطول الأمل، ثم جاء إبليس يحث على العمل بمقتضى ما في الطبع صعبت المجاهدة، إلا أنه من انتبه لنفسه علم أنه في صف حرب وأن عدوه لا يفتر عنه، فإن افتر في الظاهر بطن له مكيدة، وأقام له كمينًا ونحن نسأل الله عز وجل، السلامة من كيد العدو وفتن الشيطان وشر النفوس والدنيا، إنه قريب مجيب، جعلنا الله من أولئك المؤمنين.

اضافة تعليق