هل عقد الزواج يستوجب الدخول بعده مباشرة؟

الخميس، 20 ديسمبر 2018 03:43 م
هل عقد الزواج يستوجب الدخول بعده مباشرة أم يتأخر فترة


قال الدكتور شوقي إبراهيم علام مفتي الجمهورية، إن عقد الزواج هو إيجابٌ وقبولٌ بين رجل وامرأة خاليين من الموانع الشرعية، وشأنه كشأن سائر العقود التي تصح بتوفر شروطها وأركانها وانتفاء موانعها.


وأضاف أن الدخول إيلاج الزوجِ حشفةَ فرجه، أو قدرَها مِن مقطوعه، في فرج الزوجة ولو من غير إنزالٍ، أما الخلوة الصحيحة هي اجتماع الزوجين في مكانٍ آمِنَيْنِ من اطلاع الغير عليهما بغير إذنهما، مع كون الزوج متمكنًا مِن الوطء بلا مانع حسي أو طبعي أو شرعي.


وأوضح ان الشرع فرق في أحكام النكاح بين العقد على الزوجة وبين الدخول بها، كما فرق أيضًا بين الدخول والخلوة الصحيحة بها، وعلى هذا التفريق انْبَنَت الحقوق والواجبات، واختلفت الأحكام والآثار والتَّبِعات؛ كمثل المهر، والنفقة، والطاعة، والعدَّة، والإحصان، وحرمة البنات، والرجعة، ونحوها.

فالمهر أثر العقد الصحيح: يثبت كاملًا: بالدخول أو الخلوة الصحيحة، ويتنصَّفُ قبل الدخول.

والنفقة: سببها العقد الصحيح، ووجوبها لا يثبت إلَّا باحتباس الزوجة في السُّكنى المُعدِّ لها.

وكذلك الاستمتاع: فإنه وإن كان مباحًا بالعقد، إلا أنه إنما يكونُ متاحًا عقِبَ الزفاف.

وكذلك حقُّ الطاعة: فالزوجة قبل الدخول طاعتها لأبيها وولي أمرها لا لزوجها.

وكذلك العدَّة: فإنها تكون على المدخول بها، ولا عدة عليها قبل الدخول.


وأشار إلى أن العقد في ذاته مبيح للاستمتاع بين الزوجين؛ إذ الزوجة تصير حِلًّا للرجل بمجرد العقد عليها عقدًا صحيحًا مستوفيًا لأركانه وشروطه، إلّا أنه لَمّا كانت الحقوق والآثار تختلف في العقد عنها في الدخول، كان الاستمتاع موقوفًا لحين تسليم الزوجة لزوجها وزفافها إليه، والتسليم يكون حقيقةً بزفاف الزوجة لبيت زوجها، وحكمًا؛ بأن يأذن ولي المرأة للزوج بالدخول.



ولفت إلى أنه "لذلك جرى العرف بين الناس على أنَّ احتفال الخطبة مغايرٌ لاحتفال العقد وإشهاره، وهما مخالفان لاحتفال العُرس والدخول، والمقرر في القواعد الفقهية: أنَّ المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا".



وقسم فقهاء الحنفية الشروط المتعلَّقة بعقد الزواج إلى شروطٍ صحيحة وشروطٍ فاسدة أو باطلة، وجعلوا من الشروط الصحيحة اشتراط ما جرى به العُرف واقتضته العادة؛ كتحديد الكسوة، وتولِّي المرأة عقد زواجها بنفسها، واشتراط المرأة تعجيلَ بعض المهر وتأخير بعضه، ونحو ذلك.



وتابع: "وقد جرى اعتبار العرف من مصادر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُر بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، وفي الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: "ما رَأَى المُسلِمُونَ حَسَنًا فهو عِندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سَيِّئًا فهو عِندَ اللهِ سَيِّئٌ" أخرجه الإمام أحمد -واللفظ له- وأبو داود الطيالسي في "مسنديهما".



وومن مبادئ القضاء التي سارت عليها المحاكم المصرية في مسائل الأحوال الشخصية، كما يقول المفتي: "أن العرف معتبر إذا عارض نصًّا منقولًا عن صاحب المذهب، وأن لكل زمن أعرافَه وعاداته، وأن التخصيص بالعرف والعادة قولًا أو فعلًا حجة عند الحنفية، وأن العرف كما يختلف باختلاف الزمان والمكان فإنه يختلف أيضًا باختلاف الناس أنفسهم".



ومن الأعراف المعتدِّ بها في عقد الزواج: السماح بوجود فترة زمنية بين العقد والدخول؛ كأن يطلب أحد الزوجين الإمهال مُدَّة من الزمن لإصلاح أمره وتجهيز حاله، وتُضبط هذه المُدَّة حسب العادة والعرف وما اشترطه الطرفان واتفقا عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» مُتَّفقٌ عليه من حديث عقبة بن عامر الجُهَنيِّ رضي الله عنه.

ويُستدل على مشروعية وجود وقتٍ بين العقد على الزوجة والدخول بها: بما جاء في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49]؛ حيث دلَّت الآية على إمكانية وقوع الطلاق بين العقد والدخول، و"ثم" تفيد التراخي، وفيها إشارة لوجود مساحة وقتية يقتضيها العرف.


وكذلك بما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم عَقَدَ على السيدة عائشة رضي الله عنها ودخل بها بعد ثلاث سنوات من العقد.


وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم: «غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا» أخرجه الإمام مسلم في "الصحيح" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وذلك لانشغاله بقضية البناء والتجهيز؛ كما أشار إليه العلَّامة ابن هُبَيرة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (1/ 49، ط. دار الوطن).



ويُستأنس لذلك: اختلاف العلماء في وقت الوليمة؛ هل وقتها هو وقت العقد؟ أو وقت الدخول؟ أو بعدهما؟ حتَّى ذهب بعض الفقهاء إلى عدم تعيين وقتٍ للوليمة؛ بل إنَّ وقتها موسّعٌ يمتدُ من حين العقد على المرأة وحتَّى الدخول بها.


وبناءً على ذلك: قال المفتي إن عقد الزواج لا يستوجب الدخول بعده مباشرة؛ بل مردُّ ذلك إلى الاتفاق بين الطرفين وإلى العرف وما اعتاده الناس في أنكحتهم من وجود فترة كافية بين عقد الزواج والدخول يستطيع فيها كل طرفٍ إعداد احتياجات الزواج، وهو ما سارت عليه مبادئ القضاء المصري في مسائل الأحوال الشخصية. هذا مع التنبيه على أن ذلك من الأمور الاتفاقية التي يشترط فيها عدم إضرار أي طرف بالطرف الآخر.

اضافة تعليق