تعرف الكثير عن الرسول.. لكن لا يفوتك هذا الشيء

الخميس، 20 ديسمبر 2018 02:52 م
تعرف الكثير عن الرسول.. لكن لا يفوتك هذا الشيء


لابد أن تفهم أفعال النبي صلي الله عليه وسلم الدنيوية على أنه بشر كبقية البشر، وهناك العديد من المواقف التي تظهر ذلك، بما أظهره من مرونة في الرأي حيالها.

من ذلك ما رواه رافع بن خديج، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يؤبرن النخل- عملية تلقيح للنخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كما نصنعه.

قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، فتركوه فنقصت، فذكروا ذلك له،  فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر، وفي رواية: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

 وفي غزوة بدر، نزل صلى الله عليه وسلم بأدنى مياه بدر قال له الحباب  بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: لا، بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

 قال: فإنه ليس بمنزل انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من العيون، فنشرب ولا يشربون، فقال: «أشرت بالرأي» وفعل ما قاله.

وقد قال الله تعالى له: «وشاورهم في الأمر»، وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه.

فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة، ولا اعتقادها، ولا تعليمها، ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه، وشغل نفسه بها والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، قصيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية.

ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر.

إشكالية:

تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها، وسياسة أهلها ما هو معجز بين البشر، فإن قيل: فما وجه حديثه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه.. فأيما مؤمن آذيته.. أو سببته، أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة».

وفي رواية: «فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة وصلاة».

 فكيف يصح أن يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستحق اللعن، ويسب من لا يستحق السب ويجلد من لا يستحق الجلد، أو يفعل مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم من هذا كله؟.

فقوله صلى الله عليه وسلم أولاً: «ليس لها بأهل» أي عندك يارب في باطن أمره، فإن حكمه على الظاهر كما قال.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ربما حكم بجلده أو أدبه أو لعنه بما اقتضاه عنده حال ظاهره، ثم دعا له، لشفقته على أمته ورأفته، ورحمته للمؤمنين التي وصفه الله بها، وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا عليه دعوته أن يجعل دعاءه وفعله له رحمة، وهو معنى قوله: «ليس لها بأهل».. لا أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضجر، لأن يفعل مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم.

وقد يكون ذلك إشفاقًا على المدعو عليه، وتأنيًا له، لئلا يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقبل دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط.

وقد يكون ذلك أيضًا، سؤالاً منه لربه لمن جلده أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك كفارة لما أصابه وتمحية لما اقترف من جرم، وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران، كما جاء في الحديث الآخر «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة».

اضافة تعليق