لماذا اهتم الإسلام بالعقل وأمر بحفظه من كل ما يغيبّه؟

الخميس، 20 ديسمبر 2018 09:26 ص
لماذا اهتم الإسلام بالعقل وأمر بحفظه من كل ما يغيبه



قال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (سورة الإسراء: 70).


كرم الله سبحانه وتعالى النفس البشرية، ومنحها المكانة التي تليق بها، على كثير من المخلوقات، فكان الإنسان هو من تحمل مسئولية أداء الأمانة، بعد أن خصه الله بصورة مميّزة في خلقته، وفي قدراته العقلية والنفسية، التي مكنته من استيعاب حقيقة الرسالات السماوية، ومن أداء واجبه الديني والعملي والإصلاحي بوعي تامّ.


وصور الله الإنسان في أحسن صورة وأمر الملائكة بالسجود له، وجعل له عقلاً، وسخَّر له كل ما في الأرض من طيبات وأرسل له الرسل، قال الله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ" (سورة الأعراف: 10).


نعمة العقل:



ومنّ الله على الإنسان بنعمة العقل، الذي تطورت به المجتمعات البشرية عن باقي الكائنات الحية في المعاملات والسلوك، وأسلوب الحياة ونمط التفكير، وفي العلوم والصناعات والمواصلات والتقنيات الحديثة هو نتيجة من نتائج التفكير العقلي، والعمل الجادّ الذي بذله الإنسان منذ أن أوجده الله في هذه الأرض، فلم يترك شيئًا في السماء ولا في الأرض ولا في البحار إلا واستغله استغلالاً عقليًا من أجل رفاهيته، وسلامته وتحسين عيشه.


وتحمل الإنسان بفضل هذه النعمة الإلهية المسؤولية في كل ما يصدر منه من أعمال وأقوال وسلوك، لأن له القدرة على التمييز بين الخير والشر، والنافع والضار، فاختياره يكون عن وعي وإدراك لما يقدم عليه، ومن هنا جاءت مسؤوليته عن إعمار الأرض والحفاظ على البيئة والكائنات الحية.


وأوضح القرآن نعمة العقل في مواضع لا يمكن عدها أو حصرها: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا"، وتاريخ الإنسان على هذه الأرض شاهد على ما حقق من منجزات بفضل العقل، فمنذ أن خلقه الله لم يقف لحظة عن تطوير حياته نحو الأفضل في عيشه وفي علاقاته الاجتماعية، وظروفه الاقتصادية، ومنجزاته العلمية، فقد عمَّر الأرض وأصلحها، وبنى وشيَّد وطوَّر الصناعة والزراعة.




وطلبت الشريعة الإسلامية من الإنسان أن يحافظ على عقله ويستخدمه في كل ما هو بين يديه وما يشاهده بعبارات تدل على أن أصحاب العقول ملزمون بالتفكير المتأني الذي يقود إلى النتيجة السليمة، ولذلك فإن أفضل الطرق للدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بالعقل والحكمة والموعظة الحسنة، وفصل الخطاب الذي يجعل ذوي الألباب يتفكرون بحكمة فيما يشاهدونه: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (سورة النحل: 124).


لماذا اهتم الإسلام بالعقل؟

 اعتبر الإسلام العقل إحدى الضرورات الخمس الكبرى التي ينبغي المحافظة عليها، وحرَّم كل ما يضر بالعقل ويغيِّبه، كالخمور والمسكرات والمفتِّرات، وشرع العقوبات الرادعة لمن يتعاطى ذلك، حفاظاً على هذه النعمة العظيمة.


ودعا الإسلام العقل إلى اتباع البرهان، وأمر بنبذ الجهل والهوى والكبر والتعصب والتقليد الأعمى والجدل بالباطل والخرافات والأوهام والسحر والشعوذة والدجل، لأن هذه الآفات كلها تعطل العقل عن وظيفته، فيتمسك صاحبه بالخطأ ولو ظهر عواره، ويُعرض عن الصواب، ولو استبانت أنواره، قال تعالى: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ".


العقل هو مناط التفكر والتأمل، سواء كان التفكر في نصوص الشرع بحسن فهمها والعمل بها، أو التفكر في مجالات الكون الفسيح، وما أودع الله فيه من عجائب المصنوعات، الدالة على وحدانيته وعظمته وجلاله، والقرآن مليء بالآيات الداعية إلى النظر في سنن الكون وقوانين الحياة، قال تعالى: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ".


وعاب الله على من يعطلون عقولهم عن وظائفها، ولا يسخرونها في التفكر، في قوله: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"، أو في آياته الكونية، كما في قوله: "وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ".


ودعا الإسلام إلى تنمية العقول بالحث على التعلم والاستزادة منه، لأن العلم زاد العقول، والنصوص الشرعية حافلة بالحث على طلب العلم، وبيان كثرة فضائله ومزاياه، وقد صنف العلماء الكثير من المصنفات التي تتناول ذلك.



ويقوم الشرع على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، ومرجع ذلك إلى الشرع والعقل، يقول ابن القيِّم: "الشريعةٌ عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلُّها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة".

اضافة تعليق