عند الهزيمة.. قيمة.. إنصاف العدو.. قيمة.. وفي أخلاق الجاهلية.. قيمة.. الإسلام ينتصر للقيم

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018 03:05 م
كيف تعرف ضياع أمة..إذا غاب هذا الشيء؟

عندما عرض الإسلام على أحد حكماء العرب قال: "لو لم يكن هذا دين.. لكان في أخلاق الرجال حسنًا".. فالعرب كانوا يفهمون ويحثّون علي مكارم الأخلاق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف هذه القيم لدى العرب، وهي من موروثهم الأصيل، لذلك بين أن رسالته جاءت: "لكي أتمم مكارم الأخلاق".

القيمة منهج رباني:

الناس متفاوتون في الفضائل، بل المؤمنون منهم القوي ومنهم الضعيف، تختلف عزمات الناس في الجد والاجتهاد والمروءة والفضيلة، والقرآن لا يحابي أحدًا، فالناس هم الناس وكلهم عبيد الله.

وعند ظهور العجز البشري نجد القرآن يعالج ذلك وفق فطرة البشر ووفق قيمها، ولعل ذلك جاء واضحًا فيما حدث في وقعة "أحد" التي أفرد لها القرآن بيانًا واضحًا لتكريس القيمة في نفوس المؤمنين.

وهذا ما أبرزته النصوص والآيات في سورة "آل عمران"، لما للغزوة من رمزية في إقرار القيم وعلى رأسها المشورة على الرغم من أنها كانت في الظاهر سببًا لأحداث جسيمة على أرض المعركة، ربما لم يلق المسلمون مثلها في عصر الرسالة.

لكن التوجيهات الشاملة جاءت وليست بمعزل عن المعركة، فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية، والذين تولوا يوم التقى الجمعان في "أحد" إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم، هم الذين بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب، والالتجاء إلى الله، والالتصاق بركنه الركين.

فالتطهر من الذنوب إذن والالتصاق بالله، والرجوع إلى كنفه من عدة النصر، وليست بمعزل عن الميدان، كما يكون كظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر، فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة، والتضامن والتواد في المجتمع المتسامح قوة ذات فاعلية كذلك.

كما اتكأ السياق على تقرير سنة الله في ترتيب العواقب التي تحل بالبشر على ما يصدر من سعيهم ونشاطهم، وخطئهم وإصابتهم، وطاعتهم ومعصيتهم، وتمسكهم بالمنهج وتفريطهم فيه، واعتبارهم بعد هذا كله ستارًا للقدرة، وأداة للمشيئة، وقدرًاًمن قدر الله يحقق به ما يشاء سبحانه.

القيم والأخلاق في السنة:

كما نجد أن السنة مسلك رباني أيضًا في تقرير القيم والحث عليها، فعن ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أعجب شي رأيته"؟

 قال: رأيت امرأة على رأسها مِكْتل طعام فمر فارس فطرحه علي الأرض ، فقعدت تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقًًا لقولها: "لا قدّست أمة- أو كيف تقدس أمة- لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها".

ولكي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم،، أمته الإنصاف حتى في الخصومة، أنه "لعن أقوامًا بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم".

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه واهجه عدد ما هجاني"، فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله، وانتصف بقوله: "عدد ما هجاني"، ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف.

وروي الحافظ ابن كثير في تاريخه، عن علي بن أبي طالب قال: يا سبحان الله! ما أزهد كثيرًا من الناس في خير عجبًا، لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح.

فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال نعم، وما هو خير منه: لما أتى بسبايا طئ وقعت جارية حمراء .. شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة.

قال: فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد: إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، وأنا ابنة حاتم طيئ.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جارية هذه صفة المؤمنين حقًا لو كان أبوك مؤمنًا، لترحمنا عليه، خلوا عنا فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يجب مكارم الأخلاق".

ولاطراد القيم في مفهوم العرب وتكوينهم النفسي، نجد نفس الرد من السيدة خديجة أن الله تعالي لن يخزي نبيه لأنه متمتع بذات الصفات.

ففي رواية زاد المعاد: "..وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صديقة النساء: خديجة بنت خويلد، وقامت بأعباء الصديقية وقال لها: لقد خشيت على نفسي، فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، ثم استدلت بما فيه من الصفات الفاضلة والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدًا.

فعلمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم الشريفة تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، ولا تناسب الخزي والخذلان، وإنما يناسبه أضدادها، فمن ركبه الله على أحسن الصفات، وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامته وإتمام نعمته عليه، ومن ركبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقت أن يرسل إليها ربها بالسلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم.

اضافة تعليق