لماذا عفا النبي عن "حاطب" رغم إفشائه سرًا عسكريًا لقريش؟

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018 02:36 م
دروس مستفادة من قصة حاطب



اجتهد عشرات العلماء في تفسير عفو النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي حاطب بن أبي بلعتة، على الرغم من عظم الأمر الذي فعله، حينما علم بتجهيزه جيشًا للخروج إلى مكة، فأذهب الخبر عن طريق سيدة لتعلم قريشًا بما يجهزه.


وجاء من حديث علي رضي الله تعالى عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: "ائتوا روضة خاخٍ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها"، فانطلقنا تَعادَى بنا خيلُنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتُخرجنّ الكتاب أو لتُلقينّ الثياب، فأخرجتْه من عِقاصها -يعني من ضفائر شعرها، بالغت في إخفائه- فأتينا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين -يعني سماهم إلى فلان وفلان وفلان وفلان- من أهل مكة يُخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم".



وتناول الكثير من العلماء، موقف النبي صلى الله عليه وسلم، مع حاطب بن أبي بلعتة، تجاه هذا الحادث الذي حدث بعد صلح الحديبية، بالعام الثامن الهجري، حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، وأطلع نفرًا من أصحابه.

فكتب حاطب إلى هؤلاء المشركين يُخبرهم بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سر عسكري حربي.


فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب ما هذا؟"، في إشارة إلى الكتاب الذي بعت به إلى نفر من قريش يخبرهم بما يجهز له النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يعد بمثابة خيانة، بالمقاييس العسكرية، لإفشاء الخُطط العسكرية، للعدو.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب ما هذا؟"، قال حاطب: "لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرًأ ملصقًا في قُريش"، يعني: كان حليفًا لهم ولم يكن من نفس قريش، كان من أهل اليمن، "وكان ممن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم -في قريش- أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا، ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق"، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم".



فأنزل الله تعالى قوله الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ" (الممتحنة:1).


فالفعل الذي صدر من حاطب رضي الله عنه هو موالاة للمشركين وموادة لهم، وهو بالاتفاق سبب نزول هذه الآية من سورة الممتحنة التي تدور حول موضوع واحد، وهو موضوع الولاء والبراء، وصدرها هو هذا الذي نزل بسبب قصة حاطب، فجاء هذا الإنكار، أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ.

فهذا الذي حصل هو موادة لأعداء الله، لكن الآية لم تخرجهم من مسمى الإيمان "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" ثم أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بكفره، فلما اعتذر إليه بهذا العذر قال: "صدق"، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه بقتله وحكم عليه بالنفاق قال بأن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.


وهنا يطرح السؤال نفسه، عن المانع الذي منع من كفره بهذا الفعل الذي هو الموالاة؟، هل هو شهود حاطب -رضي الله عنه- بدرًا؟.


ينفي العلماء أن يكون شهود حاطب لبدر، هو الداعي لعدم الحكم عليه بالكفر وحل دمه، لأن شهوده لغزوة بدر عمل صالح من أجل الأعمال، ولو وقع الإنسان في الكفر والشرك لحبط عمله، فالله -تبارك وتعالى- يقول: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:88).

فلو أنه وقع في الكفر لحبط عمله جميعًا، ومن ذلك شهود غزوة بدر، إذًا بقي له عمله فهذا يدل على أنه لم يكفر، ولم يكن المانع من الكفر هو شهود هذه الغزوة، وهو ما أخذ منه العلماء أن موالاة الكافرين ليست كفرًا، أو إنها مخرجة من الملة بإطلاق.

اضافة تعليق