دائمًا "أبو حنيفة" و"أبو يوسف".. فأين "الشيباني"؟

الأحد، 16 ديسمبر 2018 12:39 م
دائما أبو حنيفة وأبو يوسف..أين الشيباني؟


عندما يذكر الإمام أبو حنيفة، يذكر أصحابه، لكن يقتصر الأمر والاستدلال في غالب الأحيان عن القاضي أبو يوسف، وننسى الصاحب الثاني للإمام، ومن رواد المذهب الحنفي "محمد بن الحسن الشيباني".

أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغوطة اسمها "حرستا"، وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط فولد له بها محمد، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة.

وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها الجامع الكبير والجمع الصغير وغيرهما، وقام بنشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس، وكان إذا تكلم خيل لسامعه أن القرآن نزل بلغته.

ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله عنه بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد.

 وقال الشافعي: ما رأيت أحدًا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه، إلا محمد بن الحسن.

وقال أيضًا: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير، وروي عن الشافعي أيضًا أنه قال: ما رأيت سمينًا ذكيًا إلا محمد بن الحسن.

قال الشافعي: كان محمد بن الحسن إذا قعد للمناظرة والفقه أقعد حكمًا بينه وبين من يناظره، فيقول لهذا: زدت ولهذا: أنقصت.

وقال أيضًا: ما رأيت أعقل منه، كان يملأ العين والقلب.

قيل لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين هي لك؟ قال: من كتب محمد بن الحسن رحمه الله.

وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها، وقدم بغداد.

وحكى محمد بن الحسن قال: أتوا أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد، وكان غلامًا، فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن، وسمي ابن أبي حنيفة.

ولم يزل محمد بن الحسن ملازمًا للرشيد حتى خرج إلى الري خرجته الأولى، فخرج معه، ومات بقرية من قرى الري.

ومن الاتفاق العجيب أنه مات هو و"الكسائي"- عالم النحو المشهور-  في يوم واحد بالري، رحمها الله تعالى، وقيل إن الرشيد كان يقول: "دفنت الفقه والعربية بالري".

كما أن محمد بن الحسن - ابن خالة الفراء-  صاحب النحو واللغة.

وكان يقول لأهله: لا تسألوني حاجة من حاجات الدنيا فتشغلوا قلبي.. وخذوا ما شئتم من مالي فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي.

وكان محمد بن الحسن يقول: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت على النحو والشعر خمسة عشر ألفًا، وأنفقت على الحديث والفقه خمسة عشر ألفًا.

وكان سبب مخالطة محمد بن الحسن السلطان، أن أبا يوسف القاضي أخذت مشورته في رجل يولي قضاء الرقة، فقال: يصلح محمد بن الحسن، فأشخصوه، فلما قدم جاء إلى أبي يوسف، فدخل به على يحيى بن خالد، فولوه قضاء الرقة.

وقال حنبل: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أبو يوسف منصفًا في الحديث، وأما محمد فكان مخالفًا للأثر، يعني يخالف الأحاديث ويأخذ بعموم القرآن.

وكان رحمه الله تعالى آية في الذكاء، ذا عقل تام، وسؤدد، وكثرة تلاوة للقرآن.

وحكى أحمد بن أبي عمران قاضي مصر، عن بعض أصحاب محمد بن الحسن: أن محمدًا كان حزبه في كل يوم وليلة ثمن القرآن.

 وحكي عنه الرازي الذي مات محمد بن الحسن في بيته قال: حضرته وهو يموت، فبكى.

فقلت له: أتبكي مع العلم؟ فقال لي: أرأيت إن أوقفني الله تعالى وقال: يا محمد ما أقدمك إلي؟ الجهاد في سبيلي، أم لابتغاء مرضاتي؟ ماذا أقول؟

وقال أحمد بن محمد بن أبي رجاء: سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن الحسن في النوم، فقلت: إلى ما صرت؟ قال: غفر لي.

قلت: بم؟ قال: قيل لي: لم نجعل هذا العلم فيك وإلا نحن نغفر لك.
وقد توفي في سنة تسع  وثمانين ومائة من الهجرة، وكان مولده سنة خمس وثلاثين ومائة.

اضافة تعليق