موقفان بينهما 13 عامًا.. الرسول وعبقرية تقدير الزمان والمكان

الأحد، 16 ديسمبر 2018 09:18 ص
الرسول-وعبقرية-تقدير-الزمان-والمكان


حياة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بالعبر والدروس التي تتجاوز الأزمان، وتستشرف المستقبل، وتتجلي فيها علاقة الدنيا بالدين، وكيف كان يراعي ذلك في حياته، وهو على أتم العلم بمعرفة الواقع حوله من نفوس الأشخاص وسياسة القبائل، ومعرفة ما يدور حوله من العلاقات الدولية التي تجاوزت حدود شبه الجزيرة العربية.

ومن عظيم مواقفه صلى الله عليه وسلم، التي يعطينا من خلالها درسًا مهمًا في ضرورة معرفة الواقع ودراسة الزمان والمكان، ذلك اللقاء الذي عقده مع قيادات ثقيف والطائف، والتي كان قد هاجر إليها عندما كان موجودًا في مكة، حيث لم يتعرض لمعتقداتهم أو ديانتهم، أو ما يرتكبونه من كبائر وقتها.

لم يمر ثلاثة عشر عامًا حتي جاءت الطائف مرة أخرى، والتقى النبي صلى بكبرائها، لكن اختلفت سياسته معهم، لأن الواقع قد اختلف، وهذا ما يكشفه الموقفان الآتيان في المرحلة المكية، والآخر في المرحلة المدنية.
رحلة الطائف:
في شوال سنة عشر من النبوة (في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م) خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهابًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها.

 فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة (أي يمزقها)، إن كان الله أرسلك.

 وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك، فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني".

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وسلطوا عليه سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له (صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء.

 وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تكعيبة من عنب، فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنُا مما لقي من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" .

فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا، يقال له عدّاس، وقالا له: خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل.

فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، مد يده إليه قائلاً: «باسم الله»، ثم أكل. فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟» قال: أنا نصراني، من أهل (نينوى).

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متى!» قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي»، فأكب عداس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.

فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين – جبلين بمكة- على أهل مكة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا»

وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي لا يدرك غوره.

لقاء أهل الطائف بعد فتح مكة


بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في العام الثامن من الهجرة، وغزا بعدها هوازن ثم غزوة تبوك، حيث قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأجمعوا أن يرسلوا إليه وفدًا.

وعلم الصديق أبو بكر بقدومهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم ، فأعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا عليه ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون.

وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اكتتبوا كتابهم، وكان هو الذي كتبه، وكانوا لا يأكلون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا.

وكان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية، وهي "اللات" لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى الرسول عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها، حتى يدخلهم الإسلام، فأبى الرسول إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وقد كانوا يسألونه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه».

اضافة تعليق