قداسة القرآن.. لهذا أمسك المسلمون عن تناوله بالهزل

الجمعة، 14 ديسمبر 2018 03:15 م
قداسة القرآن والسنة


لم يطرأ على القرآن والسنة النبوية المقدسة، ما طرأ على نصوص الشعر والنثر المشهورة لشعراء المعلقات وغيرهم، من حيث كتابة التناص، أو بتعبير أدق كتابة نص هزلي على وزن وقافية ومعنى نص أدبي من الشعر أو النثر.

وفي الوقت الذي دخل فيه على بعض نصوص الشعر هذا الهزل، لم يسمح المسلمون لأنفسهم أن يمس أحد قداسة القرآن والسنة النبوية، على الرغم من اهتمام الكثير بأدب التعبير عن النفس والاستشهاد بأن يورد أحدهم شاهدًا ودليلاً للكلام،‏ سواء أكان من القرآن أو السنة الشريفة أو الأمثال أو الشعر أو الحكمة المأثورة أو النصوص المنقولة، بل عظموا القرآن الكريم كما لم يعاملوا سائر النصوص الأخرى.


يقول الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق، إن "العرب على الرغم من أنهم أجازوا رواية الحديث بالمعني بشرط أن تكون من فقيه عالم بمقتضيات اللغة حتى ينقل المعنى كما هو وإن اختلف اللفظ،‏ بل رأينا البخاري يقطع الحديث ويرويه مختصرا مرة وكاملا مرة في صحيحه مثل حديث إنما الأعمال بالنيات، والذي ذكره نحو تسع مرات في أبواب مختلفة‏".

وأضاف: "رأينا روايات مختلفة للشعر الذي أجازوا لأنفسهم فيه ما يمكن أن نسميه التناص‏‏ ورأينا ذلك في مجال النقائض الذي كان من أشهرها نقائض جرير والفرزدق‏، فترى فيها الشاعر يرد على الآخر بقصيدة من نفس الوزن ونفس القافية‏ ورأينا أيضا النهج‏ فالبوصيري يكتب بردته في مديح النبي صلى الله عليه وسلم،‏ وعلى نفس الوزن من بحر البسيط يكتب أحمد شوقي نهج البردة الأول يبدؤها فيقول‏:

أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم



والثاني يقول‏:

ريم على القاع بين البان والعلم * أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

‏بل رأينا من يخمس هذه القصائد أو يسبعها فيزيد فيها معاني أخرى غير التي ذكرها الأول،‏ ورأينا أيضا في مجال الشعر ظاهرة تسمى على سبيل السخرية ‏(الشعر الحبنتيشي‏)‏ وقد شاع في النصف الأول من القرن العشرين على يد حمام وحسين شفيق المصري وجيلهم‏.

وضرب مثالاً بذلك الشعر، فشوقي يقول في قصيدة طويلة رقيقة‏:

مال واحتجب‏..‏ وادعى الغضب * ليت هاجري‏..‏ يشرح السبب

 ‏ ‏ فيجعلها حمام‏:‏

انشال وانخبط‏..‏ وادعى العبط * ليت هاجري‏..‏ يبلع الزلط

وأصدر حسين شفيق المصري كتابه الظريف، بعنوان "أبي نواس الجديد"، ويذكر فيه ما سماه "المشعلقات السبع" وهي قصائد نظمها على نفس الوزن والقافية للمعلقات السبع‏،‏ ويبدأ "مشعلقة" منها فيقول وهو يحاكي بها معلقة طرفة بن العبد‏:‏

لزينــب دكــــان بحــــارة منجــــد * وقوفا بها صحبي‏,‏ على هزارهـا

أنا الرجل الساهي الذي تعرفونه * تلــوح بهــا أقفــاص عيـش مقدد

يقــولــــون لا تقطـــــع هــــزارك * واقعد حويـط كجـن العطفة المتلبد



إلى آخر المشعلقة التي يرحب بها الناس ويستأنسون بها لعدم قداسة معلقة طرفة بن العبد ولعدم نزولها في النفوس المنزلة العليا وهو يقول في أولها:

لخولة أطـــلال ببرقة ثهمد * وقوفا بهـا صحبــي علـى مطيهم

أن حدوج المالكيـة غدوة * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

يقولون لا تهلك أسى وتجلد * خلايا سفيــن بالنواصف مــن دد

حتى إن النظم العلمي لم يسلم من ذلك‏,‏ فعند قول ابن مالك في ألفيته‏:‏

فأخذها بعضهم فقال‏:‏

والأصل في الفراخ أن تحمرا * وجوزوا التسليق إذ لا ضررا


وأكد جمعة أن هذا التناص رفضه علماء المسلمين مع الكتاب والسنة وضبطوا قضية الاقتباس من القرآن والسنة ووضعوا لها شروطا‏‏ وحرموا هذا التناص‏‏ بل إنهم حرموا الاستشهاد بالقرآن إذا انتقص أو أوهم الانتقاص لكتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 فلا يجوز عندهم أن يقول رجل لابنه واسمه إبراهيم يا إبراهيم أعرض عن هذا،‏ أو ينادي ابنا له اسمه يحيى فيقول له يا يحيى خذ الكتاب بقوة،‏ أو يقول أحدهم وهو يقدم طعامه لأضيافه هنيئا مريئا بما أسلفتم في الأيام الخالية،‏ أو يكتب خياط نحن نقص عليك أحسن القصص‏، أو محل لعصير القصب وسقاهم ربهم شرابا طهورا،‏ أو محل لإصلاح الساعات ويسألونك عن الساعة،‏ فكل هذا الاستشهاد عد انتقاصا أو إيهاما للنقص فهو حرام.

وأضاف عضو هيئو كبار العلماء بالأزهر، أن الأشد من ذلك في الحرمة ما فعله بيرم التونسي -أيام تمرده- من محاولة التناص مع القرآن والحديث‏، ثم رجع في نهاية حياته فتاب وحسنت توبته‏،‏ وكان يذكر هذه الأيام ويقول‏:‏ لا أجعل في حل من يروي عني هذا التمرد،‏ وألف رائعته معلنا توبته‏:‏ دعاني لبيته لحد باب بيته‏.

‏ وعلى الرغم من ذلك، نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب الأعمال الكاملة لبيرم التونسي فذكرت محاولاته هذه والتي ما كان ينبغي أن تذكرها وقد تبرأ الرجل منها،‏ وبالرغم من أن مشايخنا قد نهونا عن ذكرها وتردادها‏، إلا إننا نرى أن بعض الكتاب ما زالوا يفعلون هذا فيحاولون أن يقلدوا النظم القرآني في مسائل تدخل في باب السخرية السياسية أو الاجتماعية،‏ فيقول مثلا تبت يدا فلان وتب ويذكر اسم خصمه السياسي وهو ما لا يليق بجلال القرآن‏.‏




وأوضح جمعة أن كثيرًا من هؤلاء الكتاب مسلمون وصالحون،‏ وقد لا يعلمون الحكم الشرعي لهذه الطريقة من التناص التي -وإن صلحت في الشعر أو في الغناء أو في الهزل من القول- فإنها لا تصلح مع جلال كلام الله،‏ والدعوة عامة للكتاب ألا يخوضوا في مثل هذا المسلك مراعاة للأحكام الشرعية من جهة‏،‏ ومراعاة لشعور المسلمين من جهة أخرى‏.‏

اضافة تعليق