من نوادر البخلاء.. رأس ديك.. وعصا لضرب الضيوف

الجمعة، 14 ديسمبر 2018 11:08 ص
شاهدت ورأيت بخلاء.. هل تعرف مثل هؤلاء


لا ترى بخيلاً محمودًا محبوبًا، حتي وإن كانت باقي صفاته حميدة، فإن البخل يعرّيه، على عكس الكريم، فتراه محبوباً، وإن كان في صفاته نقص، فإن الكرم يغطيه ويستره.


يقول الله تعالى: "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم"، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البخل جامع لمساوىء القلوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء".

وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما: "إن البخل لو كان قميصًا ما لبسته أو كان طريقًا ما سلكته".

وقال الشافعي رحمه الله:


وإن كثرت عيوبك في البرايا** وسرك أن يكون لها غطاء

تستر بالسخاء في كل حين **   يغطيه كما قيل السخــــــــاء

وقيل: بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان.

فأما الحطيئة، فمرّ به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا، فقال: أنا ضيف، فأشار إلى العصا، وقال: لكعاب الضيفان أعددتها.

وأما حميد الأرقط، فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، نزل به مرة أضياف، فأطعمهم تمرًا، وهجاهم وذكر أنهم أكلوه بنواه.

 وأما أبو الأسود، فتصدق على سائل بتمرة، فقال له: جعل الله نصيبك من الجنة مثلها.

 وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم.

وأما خالد بن صفوان، فكان يقول للدرهم إذا دخل عليه: والله لأطيلن حبسك، ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه.  وقيل له: لم لا تنفق، ومالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه.

واستأذن رجل على صديق له بخيل، فقيل له : به حمّي، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.


وكتب سهل بن هارون كتابا في مدح البخل وأهداه إلى الوزير الحسن بن سهل في زمن المأمون فوقع على ظهره، "قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه"، ولم يعطه شيئًا.

 وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلاً جدًا، أصابه القولون في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه في الطست، فقال لغلامه: اجمع الدهن الذي نزل من الحقنة وأوقد به السراج.

وكان الشاعر أبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب ببخلهما المثل، قال مروان: ما فرحت بشيء أشد مما فرحت بمائة ألف درهم وهبها لي المهدي، فوزنتها فرجحت درهما، فاشتريت به لحما.

ومن الموصوفين بالبخل: أهل مرو، يقال إن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم، ويشكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر، ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه، فإذا استوى جر كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق.

وقيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من سمع وقع أضراس الناس على طعامه ولم تنفجر مرارته.

وقال دعبل الخزاعي وكان شاعرًا مشهورًا – معاصرًا لبشار بن برد: كنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع، فقال: ويلك يا غلام آتنا غداءنا، فأتي بقصعة فيها ديك مطبوخ تحته ثريد قليل، فتأمل الديك فرآه بغير رأس، فقال لغلامه: وأين الرأس؟

 فقال: رميته، فقال: والله إني لأكره من يرمي برجله، فكيف برأسه؟، ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصيح الديك ولولا صوته ما أريد، وفيه عُرْفه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل، فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم نر عظمًا أهش تحت الأسنان من عظم رأسه، ويحك ظننت أني لا آكله، أما قلت عنده من يأكله، انظر في أي مكان رميته فأتني به.

فقال: والله لا أدري أين رميته، فقال: ولكني أنا أعرف أين رميته، رميته في بطنك، الله حسبك.

ومن رؤساء أهل البخل محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وددت لو أن عشرة من الفقهاء وعشرة من الخطباء وعشرة من الشعراء وعشرة من الأدباء تواطأوا على ذمي واستسهلوا شتمي حتى ينتشر ذلك في الآفاق، فلا يمتد إلي أمل آمل ولا يبسط نحوي رجاء راج.

وقال عمر بن ميمون: مررت ببعض طرق الكوفة، فإذا أنا برجل يخاصم جارًا له، فقلت: ما بالكما؟ فقال أحدهما:
إن صديقا لي زارني فاشتهى رأسًا فاشتريته وتغدينا، وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها، فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس.

وقال رجل من البخلاء لأولاده: اشتروا لي لحمًا، فاشتروه، فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة، وعيون أولاده ترمقه.

فقال ما أعطي أحدًا منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها. فقال ولده الأكبر: أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر فيها شيئًا، قال: لست بصاحبها.

فقال الأوسط: ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد لعام هي أم لعامين، قال لست بصاحبها.

فقال الأصغر: يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفًا.

قال: أنت صاحبها، وهي لك زادك الله معرفة وحزمًا.

اضافة تعليق