"نور الدين محمود".. قصة سلطان لم يملك إلا دكانًا

الخميس، 13 ديسمبر 2018 01:54 م
سلطان ولا يملك إلا دكان..هذه قصته


نسمع الكثير عن الأمراء والسلاطين، وأكثر ما يجذب القراء إلى العكوف على سيرتهم هو تحقيق العدل، وعلى الرغم من أن كتب التاريخ روت الكثير عن عدل بعض السلاطين إلا أنها وقفت كثيرًا عن السلطان العادل نور الدين محمود"، حيث وصفه المؤرخون بأنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أكرم ولا أعدل منه، وقد كان بينهم عدة قرون من الزمان.

هو الملك العادل الملقب بالشهيد نور الدين أبو القاسم محمود بن الملك عماد الدين زنكي، ولد وقت طلوع الشمس من يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة من الهجرة بحلب، ونشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة الكبيرة.

تعلم القرآن والفروسية والرمي، وكان شهمًا شجاعًا ذا همة عالية، وقصد صالح، وحرمة وافرة وديانة بينة، فلما قتل أبوه سنة إحدى وأربعين، صار الملك بحلب إلى ابنه نور الدين هذا، وأعطاه أخوه سيف الدين غازي الموصل، ثم تقدم، ثم افتتح دمشق في سنة تسع وأربعين فأحسن إلى أهلها وبنى لهم المدارس والمساجد والربط، ووسع لهم الطرق على المارة، ووسع الأسواق، ووضع المكوس- الضرائب- .

صفات مبهرة:


كان حنفي المذهب يحب العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم، ويحسن إليهم، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه، ويجتمع إليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتون من سائر المذاهب، ويجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد، ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمة، حتى يساويهم، وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابا.

وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأمر بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجده، وإنما كان يؤذن بـ"حي على خير العمل" لأن شعار الرفض كان ظاهرًا بها، وأقام الحدود وفتح الحصون.

 كسر الفرنج مرارت عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة، التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين.

وأقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجيج، وبنى بدمشق مستشفي لم يبن في الشام قبله مثله ولا بعده أيضًا، ووقف وقفًا على من يعلم الأيتام الخط والقراءة، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى المجاورين بالحرمين وله أوقاف دارة على جميع أبواب الخير، وعلى الأرامل والمحاويج.

 وأضاف إلى أوقاف الجامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها، ولا يعرف شروطهم فيها، وجعلها قلمًا واحًدا، وسمى مال المصالح، ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك.


وكان رحمه الله حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعًا للآثار النبوية، محافظًا على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة محبًا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس.

حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يسمع منه كلمة فحش قط، في غضب ولا رضى، صموتًا وقورًا.

يقول المؤرخ الشهير ابن الأثير: لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريًا للعدل والإنصاف منه، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم،يزيد عليه شيئا، ولو مات جوعا.

وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر، وتعليمها ذلك، ونحن لا نترك الجهاد، وكان لا يلبس الحرير، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه.

 وركب يومًا مع بعض أصحابه والشمس في ظهورهما والظل بين أيديهما بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقًا عنيفًا وظله يتبعه، فقال لصاحبه: أتدري ما شبهت هذا الذي نحن فيه؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها، وتطلب من يهرب منها، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى:


مثل الرزق الذي تطلبه ** مثل الظل يمشى معك

أنت لا تدركه مستعجلا ** فإذا وليت عنه تبعــك

وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر.

وكذلك كانت زوجته "عصمت الدين خاتون" تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها، فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها.

فأمر نور الدين عند ذلك بضرب – طبلة- في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلة أجرًا جزيلاً، وجراية كثيرة.

عدله:

ويروي أنه ذات يوم كان يلعب الكرة،  إذ رأى رجلاً يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقًا يريد أن يحاكمه عند القاضي.

فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى مضرب الكرة من يده، وأقبل مع خصمه ماشيًا إلى القاضي، وأرسل إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة.

ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية- خدم-  لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لاحق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له.

وكان يحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب إليه، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل يصل إليه القوى والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم.

 وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه – عم صلاح الدين-  كان قد عظم شأنه عند نور الدين، حتى صار كأنه شريكه في المملكة، واقتنى الأملاك والأموال والمزارع والقرى.


 وكان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي والأملاك العدل، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء إلا أسد الدين هذا فما كان يهجم عليه.

 فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إلى نوابه أن لا يدعوا لأحد عنده مظلمة، وإن كانت عظيمة، فان زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم، أو يوقفه مع خصم من العامة، ففعلوا ذلك.

 فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة ولم ير أحدًا يستعدى على أسد الدين، سأل القاضي عن ذلك فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين شكرًا لله، وقال الحمد لله الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم.

شجاعته:

لم ير على ظهر فرس قط أشجع ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالكرة وكان ربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهوى بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان.

وكان شجاعًا صبورًا في الحرب، يضرب المثل به في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك، ولو كان في خير ولى عند الله قيمة لرزقنيها، والأعمال بالنية.

وقال له يومًا قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال: له اسكت يا قطب الدين فان قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال فبكى من كان حاضرا رحمه الله.

وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الإفرنج فاستشار الأمراء فيه هل يقتله أو يأخذ ما يبذل له من المال؟

وكان قد بذل له في فداء نفسه مالاً كثيرًا، فاختلفوا عليه ثم حسن في رأيه إطلاقه وأخذ الفداء منه، فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعا فأطلقه نور الدين، فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه.

 وبنى من ذلك المال المارستان- المستشفى-  الذي بدمشق، وليس له في البلاد نظير، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين وإذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه فلا يمنع من شرابه، ولهذا جاء إليه نور الدين وشرب من شرابه .

وكتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل- وكان قد أمر الولاة والأمراء بها أن لا يفصلوا بها أمرا حتى يعلموا الملا به، فما أمرهم به من شيء امتثلوه، وكان من الصالحين الزاهدين، وكان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه.

فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج إلى سياسة ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء يشهد له؟

فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدى، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم.

فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول: انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد.

وقد توفي رحمه الله يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال في سنة 569 هجرية عن ثمان وخمسين سنة، مكث منها في الملك ثمان وعشرين سنة رحمه الله، وصلى عليه بجامع القلعة بدمشق.

اضافة تعليق