الملحمة كاملة .."الأَرَك" معركة بـ 800 عام

الخميس، 13 ديسمبر 2018 11:03 ص
الأرك..معركة بـ 800 عام


على مدار ثمانية قرون خضعت فيها الأندلس للحكم الإسلامي، خاض المسلمون خلالها الكثير من الوقائع الحربية، التي سطرتها كتب التاريخ بداية من موقعة وادي برباط، بقيادة طارق بن زياد، وانتهاء بطردهم نهائيًا من هذه الأرض.

وبين الفترتين جرت في بحر المعارك وقائع وملاحم كثيرة، وحقق المسلمون انتصارات كان أبرزها في موقعة" الأَرَك"، التي خاضها المنصور الموحدي ضد ممالك الشمال علي أرض الأندلس، تعتبر هذه المعركة ملحمة الثمانية قرون على أرض الأندلس.

تعتبر دولة الموحدين من أشهر الدول التي حكمت الأندلس، وكان أشهر سلاطينها المنصور الموحدي، وكان معاصرًا للناصر صلاح الدين، كان هو يقود المعارك في الغرب، والناصر صلاح الدين يقودها في المشرق الإسلامي.

ووصلت الدولة الموحدية في عصر المنصور إلي ذروة المجد السياسي، حيث لم يحقق المسلمون مجدًا طيلة الثمانية قرون، مثل ما حققوه في عصره، والذي خاطبته كل الملوك قاطبة في أوربا وغيرها، وطلبوا رضاه وإرسال رسائل التبجيل والاحترام لسلطانه.

سبب المعركة:


 وصلت كتب أهل الأندلس، وقادة الثغور فيها، إلي المنصور الموحدي وهو بمدينة "رباط الفتح" بالمغرب، باشتداد وطأة العدو، وتفاقم غاراته علي أراضي المسلمين.

وكان ألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد بعث مطران طليطلة مارتن لوبث في حملة تخريبية محضة إلى أراضي الأندلس، عاثت فيها أشد عيث، واستولت على كثير من الغنائم والماشية.

 رفعت هذه المخاطبات والأنباء كلها إلى المنصور، وهو في مدينة مِكْناسة يستعد للسير إلى إفريقية، فأقلقته وأهمته، ورأى عندئذ أن يُعدل خطة سيره، فأمر بأن تُبعث الأمداد إلى ولاة إفريقية، وأن تعد العدة للسير إلى الأندلس، فاشتدت الحركة عندئذ، وأقبلت الحشود من كل صوب، وكانت رغبة المجاهدين في العبور إلى الأندلس أشد لقربها، وتيسير المؤن والأقوات بها.

كما أن ملك قشتالة، نقض الهدنة التي كانت معقودة بينه وبين الموحدين، وغزا أراضي الأندلس، وتوغل في غاراته حتى الجزيرة الخضراء جنوب الأندلس.
وهناك وجه إلى الخليفة المنصور كتابًا من إنشاء وزيره اليهودى "ابن الفخار"، يتحداه فيه بأسلوب يفيض غرورًا ووقاحة، أن يأتي لقتاله، فإن جبُن أو عجز، فليرسل إليه السفن ليجوز فيها إليه، ويقاتله في أعز مكان لديه، والمنصور غضب لذلك، واستنفر الناس للجهاد، وكانت حركته الثانية إلى الأندلس.

 وفي أوائل سنة 591 هـ (1194 م)، كانت استعداد الحملة الموحدية على أشده، وتقدمت تقدمًا كبيرًا، واجتمعت الحشود من سائر بلاد المغرب.

الاستعداد للمعركة:


وخرج الخليفة يعقوب المنصور من حضرة مراكش، والجيوش تتلاحق في أثره من سائر النواحي، وسار توًا إلى قصر المجاز، وهنالك عنى بتنظيم تموين الجيوش، ثم بدأ الجواز.

فكان أول من جاز البحر قبائل العرب ثم قبائل البربر، فالجيوش المتطوعة، ثم الموحدون، فالعبيد، ولما تم جواز الجيوش على هذا النحو، واستقرت بأراضي الجزيرة الخضراء، عبر الخليفة المنصور البحر في جمع كبير من أشياخ الموحدين والزعماء والفقهاء، والعلماء، وكان عبوره في يوم الخميس عشرين من جمادى الآخرة سنة 591 هـ (أول يونيه سنة 1195 م).

وأقام المنصور بجزيرة طريف يومًا واحدًا، ثم استأنف سيره إلى إشبيلية، ولقيه في الطريق والي إشبيلية السيد يعقوب بن أبي حفص وجماعة من أعيانها.

ثم تقدمه ليعد له أسباب النزول في الحضرة الأندلسية، ونزل الخليفة بقصر البحيرة، وهرع أهل الحاضرة للسلام عليه، وعهد الخليفة إلى أبي بكر بن زُهر وزملائه أشياخ المدينة، بإنزال الأشياخ والأكابر في الدور المعدة لنزولهم، وبعد الظهر أذن بدخول السادات للسلام عليه، وكان ذلك يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الثانية.

 وفي الغد، ركب الخليفة إلى حصن الفرج الذي كان قد أمر بإنشائه خارج إشبيلية، وأعجب بمنعته وحسن روائه،  ثم عاد فزار المسجد الجامع.

 وفي يوم السبت، أمر بإجراء التمييز، فانتظم سائر الجند بالزي الفاخر، والعدد الكاملة، وركب الخليفة ومعه من حضر من الأبناء، والقرابة والوزراء، واستعرض الجند صفًا صفًا، وقبيلاً قبيلاً، ثم أخرجت الرواتب والبركات، ووزعت على سائر الحشود.

وكانت أنباء عبور الخليفة الموحدي وجيوشه الزاخرة، قد ترامت أثناء ذلك إلى ملك قشتالة ألفونسو الثامن، فأخذ يتأهب للحرب بكل ما وسع، واستدعى سائر أتباعه من الأمراء والأشراف في قواتهم، وحشد كل ما استطاع من الجند، ثم غادرها مسرعاً إلى الجنوب.

وكان ملك قشتالة قد بدأ قبل ذلك بقليل بإنشاء حصن جديد في المحلة المسماة "بالأرك "، وهي محلة صغيرة من أعمال قلعة رباح، تقع على مسافة أحد عشر كيلومترًا في غربي مدينة "ثيوداد ريال" حاليًا.

وعند هذه النقطة اتجه ملك قشتالة بقواته، وعسكر بها معتزمًا أن يلقى الموحدين وألا يسمح لهم بعبور الحدود إلى داخل أراضيه.

وأما الخليفة المنصور، فاستمر في سيره مخترقًا قلعة رباح حتى وصل إلى مقربة من محلة الجيش القشتالي المعسكر في الأرك.

ونزل هنالك، في يوم الخميس الثالث من شعبان سنة 591 هـ (13 يوليه سنة 1194 م)، وما كاد الجيش الموحدي يستقر في محلته، حتى ظهرت سرية من خيل القشتاليين خرجت لتستطلع أخبار المسلمين، فظفرت بها طائفة من الجند الموحدين وأبادتها قتلاً.

ومضت بضعة أيام أخرى قبل أن يقع الاشتباك بين الجيشين، ولم تكن ثمة سوى الطلائع من الجانبين، وكانت الخسارة تقع في معظم الأحيان على القشتاليين.

 وفي خلال ذلك كان الخليفة المنصور، يعقد المؤتمرات الحربية، ويجري مشاوراته مع أشياخ مختلف القبائل.

ولما استشار قواد الأندلس، أحالوه على كبيرهم أبي عبد الله بن صناديد، وأن ابن صناديد أبدى رأيه للخليفة، بأنه يجب أن تبدأ المعركة باشتباك سائر حشود الأندلس وقبائل العرب، وسائر قبائل المغرب من زناتة والمصامدة وغيرهم وجند المتطوعة، وأن ينتظر الخليفة في المؤخرة ومعه جيوش الموحدين والعبيد والحشم في موضع مستور، فإن أسفرت المعركة عن انتصار المسلمين فبها، وإن أسفرت عن هزيمتهم، فعندئذ يبادر الخليفة في قواته إلى لقاء العدو، وليحمي ظهور المسلمين، ويكون العدو عندئذ قد ضعفت قواه، فيكون النصر للمسلمين، وأن الخليفة قد أعجب بهذا الرأي وقرر اتباعه.

وكان الخليفة المنصور، قد قرر مع قادته أن تبدأ الجيوش الموحدية بالزحف على محلة النصارى.

 وتحركت الجيوش الموحدية بالفعل خلال السهل المنبسط أمام ربوة الأرك، حتى صارت على مقربة منها، ونزلت في السهل المنخفض الممتد أمامها، وهي تشرف عليه بمنعتها ووعورتها من أعلي.

وكان ذلك في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان (17 يوليه) فلما رأى النصارى اقتراب الموحدين خرجت جملة من قواتهم، وتقدمت قليلاً من مراكز الجيش الموحدي، ولكن الموحدين لم يفعلوا شيئًا للاشتباك مع العدو، ذلك أن الخليفة المنصور لم يشأ أن يخوض الموحدون المعركة في ذلك اليوم، بل قرر خوضها في اليوم التالي.

 فلما رأى النصارى المتقدمون جمود الموحدين، عادوا إلى محلتهم فوق ربوة الأرك وقد أثقلتهم أسلحتهم.


وفي اليوم التالي وهو يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة 591 هـ (18 يوليه سنة 1195 م) كانت الجيوش الموحدية كلها على قدم الأهبة، وقد "عبئت تعبئة حرب"، وعقدت الرايات لسائر القبائل والطوائف.

موقف مؤثر:


ووقعت قبيل المعركة بقليل في المعسكر الموحدي، مناظر مؤثرة، حيث قام القائد العام الوزير أبو يحيى وصاح بصوت مرتفع يقول للناس: إن أمير المؤمنين يطلب إليهم أن يغفروا له، فإن هذا موضع غفران، وأن يتغافروا فيما بينهم، وأن يطيبوا نفوسهم، وأن يخلصوا نياتهم لله، فبكى الناس، وصاحوا من جانبهم بطلب الغفران من الخليفة، وأنهم بيمن نيته وصدق طويته، يرجون الخير من الرحمن.

اشتعال الحرب:

وفي ضحى هذا اليوم - التاسع من شعبان سنة 591 هـ (18 يوليه سنة 1194 م) - نشبت المعركة المرتقبة.


وكان القشتاليون حينما رأوا جيوش الموحدين تزحف نحو محلتهم ببطىء، وقد عبئت للهجوم أكمل تعبئة، قد نزلوا من محلتهم في صفوف كثيفة قاتمة، أو حسبما تصفهم الرواية الإسلامية وهم "كالليل الدامس، والبحر الزاخر، أسرابًا تتلو أسرابًا وأمواجًا تعقب أمواجًا".

 ودفع القائد ابن صناديد بجيوش الأندلس إلى المعركة وزحفت معه قبائل زناتة وسائر قبائل البربر، واندفعت الجيوش الموحدية بجملتها نحو محلة القشتاليين، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة، وكثر القتل في مقدمة القشتاليين، التي اضطلعت بالهجمة الأولى، واستمر القتال على هذا النحو بعنف وشدة، حتى اضطر القشتاليون إلى التقهقر والفرار نحو الربوة التي تحتلها محلتهم، وبدت بوادر الهزيمة على القشتاليين.

ودامت المعركة من ضحى اليوم حتى غروب الشمس، وأسفرت عن قتل جموع عظيمة من النصارى، واستطاع ملك قشتالة أن يفر في نحو عشرين فارساً من أصحابه، فسار تحت جنح الليل صوب طليطلة لا يلوي على شىء، واعتصمت معظم فلول النصارى بحصن الأرك .

وكان ملك قشتالة حينما رأى ما حل بقواته، وضرب الطبول، وعظيم الأصوات، قد اعتزم أن يلقى ضد الموحدين بما تبقى من قواته، ولكن القشتاليين حينما رأوا كثافة الجيوش الموحدية، وروعة هجومها واضطرامها عولوا على الفرار، فتلاحقت بهم فرسان الموحدين، تحصدهم قتلا وأسراً، وأحاط المسلمون بحصن الأرك، يظنون أن ألفونسو الثامن قد اعتصم به، ولكن تبين أنه قد لاذ بالفرار من أحد أبوابه الخلفية، فدخل المسلمون الحصن عنوة، وأضرموا النار في أبوابه، واحتووا على جميع ما فيه، وما في محلة النصارى، من الذخائر والأسلاب والسلاح والمتاع والدواب.

وكان عدد القتلى من الفرنج بلغ مائة ألف وستة وأربعين ألفًا، وبلغ عدد الأسرى ثلاثة عشر ألفًا. وأما عن خسائر المسلمين، فقد قتل من المسلمين نحو العشرين ألفًا.

ولقد كان انتصار الموحدين في معركة الأرك، يرجع فضلاً عن تفوقهم العددي، ، بالإضافة إلي العناية بالمحافظة على نظام الجيش، وتوفير تموينه ومؤنه بصورة مؤكدة، وتقسيم حشوده، وتنظيم قياداته، وتعيين قائد عام يشرف على هذه القيادات، واعتماد الخليفة على مشورة قواده، ثم مراعاة الحزم والسرعة في تحرك الجيش، وإعداده لضرب العدو على الفور.

اضافة تعليق