Advertisements

"الصديق رجل بأمّة".. الحقيقة تعرفها في هذه اللحظة

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018 02:06 م
الصديق رجل بأمّة.. الحقيقة تعرفها في هذه اللحظة


الصديق أبو بكر رضي الله عنه، هو أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مناقبه لا تعد ولا تحصى، ويكفي في حياته أنه لم يفارق النبي في جاهلية ولا إسلام.

وقد كان أعلم الناس بالناس وأعلم قريش بقريش، وأعلم بما فيها من خير أو شر، يعرف ذلك كله، وكان نسّابة يعرف الأنساب والبطون والقبائل وصفاتهم وأخلاقهم، ولذلك كان أسرع الناس للاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن هناك موقف آخر يكشف جوهر الصديق رضي الله عنه، ومدى ثبات الإسلام والإيمان في قلبه، ولذلك تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن شيء وقر في قلبه وصدقه العمل"، هذا الذي وقر في قلب أبي بكر هو الذي تجلّي علي وجه الحقيقة والثبات، في يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
لما توفي النبي صلي الله عليه وسلم، جزع عمر رضي الله عنه وقال: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وليرجعن كما رجع موسى عليه السلام حتى كلمه أبو بكر رحمه الله، وذكره بالآية فعقر حتى سقط إلى الأرض.

وما كان من ثبات قوة أبي بكر، وقوته في ذلك المقام ففيه ما كان عليه الصديق رضي الله عنه من شدة تعلق القلب بالإله، ولذلك قال لهم من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

 ومن قوة تعلقه بريه -رضي الله عنه - حين أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رد جيش أسامة حين رأوا الردة قد اشتعلت نارها، وخافوا على نساء المدينة وأطفالها، فقال: والله لو لعبت الكلاب بخلاخل نساء المدينة، ما رددت جيشًا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وكلمه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وكان أشد شيء عليه أن يخالف رأيه رأي "سالم"، فكلموه أن يدع للعرب زكاة ذلك العام تألفًا لهم، حتى يتمكن له الأمر، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم.
وكلمه عمر أن يولي، مكان أسامة من هو أكبر منه سنّا وأصبر،  فأخذ بلحية عمر وقال له: يا ابن الخطاب أتأمرني أن أكون أول من حلّ عقدًا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأن أخرُّ من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير أحب إلي من أن أوافقكم على هذا الرأي.

 وقال لهم: والله لو أفردت من جميعكم لقاتلتهم وحدي حتى تنفرد سالفتي، - أي عنقي- ولو منعوني عقالاً، لجاهدتهم عليه أوفي شك أنتم أن وعد الله لحق، وإن قوله لصدق وليظهرن الله هذا الدين ولو كره المشركون.

 ثم خرج وحده إلى مكان "ذي القصة" حتى اتبعوه وسمع الصوت بين يديه في كل قبيلة ألا إن الخليفة قد توجه إليكم الهرب الهرب حتى اتصل الصوت من يومه ببلاد حمير.

 وكذلك في أكثر أحواله رضي الله عنه كان يلوح الفرق في التأله وتعلقه بربه بينه وبين عمر رضي الله عنهما.
ومن ذلك ما جاء في أمر الصدقة حين رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فجاء عمر بنصف ماله وجاء الصديق بجميع ماله فقال له النبي عليه السلام: "ما أبقيت لأهلك؟"، قال الله ورسوله.

ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض وارتفعت الأصوات وسجى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملائكة دهش الناس وطاشت عقولهم وأقحموا، واختلطوا، فمنهم من خبل ومنهم من أصمت ومنهم من أقعد إلى أرض.

 فكان عمر ممن خبل وجعل يصيح ويحلف ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن أخرس عثمان بن عفان حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلامًا، وكان ممن أقعد علي، رضي الله عنه فلم يستطع حراكًا.

 وأما عبد الله بن أنيس، فأضني حتى مات كمًدا، وبلغ الخبر أبا بكر رضي الله عنه وهو بالسُّنْح- مكان أعلى المدينة-  فجاء وعيناه تبكيان وزفراته تتردد في صدره وغصصه ترتفع في حلقه،  وهو في ذلك رضوان الله عليه، جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأكبّ عليه وكشف وجهه ومسحه وقبّل جبينه وجعل يبكي، ويقول بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة .. ولو أن موتك كان اختيارًا لجدنا لموتك بالنفوس.. ثم خرج لما قضى الناس غمراتهم وقام خطيبا فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقال فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين" في كلام طويل ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت وأن الله قد تقدم لكم في أمره، فلا تدعوه جزعًا، وأن الله تبارك وتعالى قد اختار لنبيه عليه السلام ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط"، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يلفتنكم عن دينكم وعاجلوا الشيطان بالخزي تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم.

فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر أأنت الذي بلغني عنك أنك تقول على باب نبي الله، والذي نفس عمر بيده ما مات نبي الله، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم كذا: كذا، وكذا، وقال الله عز وجل في كتابه "إنك ميت وإنهم ميتون".

فقال عمر والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل الآن لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل وأن الحديث كما حدث وأن الله تبارك وتعالى حي لا يموت إنا لله وإنا إليه راجعون صلوات الله على رسوله وعند الله نحتسب رسوله.
تقول عائشة - رضي الله عنها أيضًا: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو نزل بالجبال الصم ما نزل بأبي لهاضها، ارتدت العرب واشرأب النفاق فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها". فرضي الله عن الصديق وأرضاه- وقد فعل-.

اضافة تعليق