لكل أم غائب ابنها.. تذكري "إِنَّا رَادُّوهُ"

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018 11:39 ص
لكل أم غائب ابنها.. تذكري «إنا رادوه»


خافت أم موسى على رضيعها من أن يقتله فرعون، فأوحى الله إليها بإلقاء الطفل في البحر « وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِيۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ»، ولم تكن مكافأة إيمانها بعودة طفلها فقط، لكن بأن اختاره رسولًا «وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ».


غالبت أم موسى خوفها من البحر، واستراحت نفسها إلى تنفيذ أمر الله في بلاء عظيم بين الأرض والسماء.. ألقت الطفل.. وظل قلبها يخفق.. كيف يعيش الطفل في البحر؟ من يحرسه؟ من يضمه إن بكى؟ ومن يحمل جسده إن اشتد وقع الأمواج؟

« وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ»، كاد يغلبها الخوف.. لا لم تعد تطيق الصمت وصار الصبر مرًّا بما يفوق الاحتمال.


لكنها لم تلق طفلها إلا عن إيمان بحكمة قيوم السماوات والأرض، لذلك فلا بد لها من مكافأة تصرف عنها لوعتها.. « لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ».. ها هي الأم التي يكاد كبدها يحترق خوفًا وقلقًا تهدأ.. يقذف الله في قلبها سكينة يعرفها المؤمنون به حق الإيمان.. يعود طعم الصبر حلوًا كالماء البارد للظامئين.

تقول لابنتها في هدوء وثقة: «قُصِّيهِ».. فعل أمر من حروف قليلة فيه يقين وتفاؤل وثقة.. «من آمن بالله هداه ومن وثق به أنجاه»، أو كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

تخرج الابنة باحثة عن شقيقها.. جنود فرعون يملأون الأرض.. وجوههم متجهمة.. وبريق سيوفهم تحت أشعة الشمس يفزع الناظرين.. والطفل الصغير الجائع يعرض عن أثداء المرضعات. هنا تأتي المعجزة لتسير أسباب الكون كله خلف الابنة وفي خدمتها.

تطمئن الصغيرة.. تتماسك.. تعود ضربات قلبها إلى الوضع الطبيعي بعدما كانت تتسارع بين جدران حاكم ظلوم.

تمسك بزمام المبادرة وتقول: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ »؟.. هنا يذوق المؤمن فرحة الفرج من حيث لا يحتسب.. هنا يمد القدير يده بالعون فتصير اللغة في فم الابنة الخائفة لسان نجدة لآل فرعون لا لسان توسل باسم أسرتها الصغيرة.

تقول لآل فرعون: « يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ».. لن يعود الطفل إلى أمه وهي خائفة.. سيعود إليها.. ستضم صغيرها وهي فرحة ممتنة.. لكنها لن تكون وحدها في مشاعر الامتنان.. سيشاركها ذلك الشعور آل فرعون أنفسهم.. سيقولون لها: شكرًا لهذا الصنيع الجميل.

ينتهي الاختبار الإلهي العظيم بقول صاحب الملكوت: « فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ..» لكن هذه النهاية السعيدة ليست الهدف من هذا البلاء.. الهدف أكبر وأسمى.. الهدف هو: «.. وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ».. هنا جوهر الحكاية.. هنا بداية القصة ونهايتها.. العلم بأن وعود الله لعباده حتمًا ستتحقق.. واليقين بها نجاة لمن ظن يومًا أنه بلا حيلة  في مواجهة أسباب الأرض.. «وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» هكذا يختم الله سبحانه وتعالى الآية في قرآنه الكريم، باستدراك «كاشف وملهم» لمن ساورته الشكوك فعانى طويلًا دون أن يصل إلى شيء!

بين «إِنَّا رَادُّوهُ» و«فَرَدَدْنَاهُ» سطور قليلة في كتاب الله عن الإيمان والصبر.

اضافة تعليق