كيف تعالج نشوز المرأة؟.. "الشعراوي" يدلك على العلاج من القرآن

السبت، 08 ديسمبر 2018 01:18 م



"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".[ النساء: 34].


الحق سبحانه وتعالى حينما يربي في عبده حاسة اليقظة، "واللاتي تخافون نشوزهن"، النشوز لم يحدث، بل مخافة أن يحدث، تترقب من أول الأمر، لا تترك المسألة حتى يحدث النشوز، و" النشوز" من "نشز"، أي ارتفع في المكان، ومنه "النشز" وهو المكان المرتفع.


وما دام قال: "الرجال قوامون على النساء"، فإنها تحب أن تتعالى، وتكون في مكانة عالية؛ لذلك فالنشاز حتى في النغم هو: صوت خارج عن قواعد النغم، فيقولون: هذه النغمة النشاز، أي خرجت عن قاعدة النغمة التي سبقتها.

كأن المفروض فيها أن تكون متطامنة، فإن شعرت أن في بالها أن تتعالى فإياك أن تتركها إلى أن تصعد إلى الربوة وترتفع، بل عليك بمجرد أن تظهر بوادر النشوز فتمنعه، ومعنى قوله: "واللاتي تخافون"، يعني أن النشوز متخوف منه، ولم يحدث بعد.

"فعظوهن"، والوعظ: النصح بالرقة، قالوا في النصح بالرقة أن تنتهز فرصة انسجام المرأة معك، وتنصحها في الظرف المناسب، فلكي يكون الوعظ والإرشاد مقبولاً، لا تأت لإنسان وتعظه إلا وقلبه متعلقًا بك.

مثلاً تريد أن تربي ابنك، فلابد أن تكسب قلب ابنك، لنفترض أن ابنك طلب منك طلبًا، ولم تحضره، ثم جاءت الأم لتشكو للأب سلوك الابن، فيحاول الأب إحضار الطلب الذي تمناه الابن، ويقول له: تعال هنا يا بني.. قد أتيت لك بالطلب الذي طلبته من شهرين"، وفي لحظة فرح الابن بالحصول على ما تمنى، يقول له الأب: "لو تذكرت ما قالته لي أمك من سلوكك الرديء لما أحضرته لك".

ولو سب الأب ابنه في هذه اللحظة، فإن الابن يضحك، لماذا؟ لأن الأب أعطى الابن الدرس والعظة في وقت ارتباط قلبه وعاطفته به. ولكن نحن نفعل غير ذلك، فالأب يأتي للولد في الوقت الذي يكون هناك نفور بينهما، ويحاول أن يعظه؛ لذلك لا تنفع الموعظة، وإذا أردنا أن تنفع الموعظة يجب أن نغير من أنفسنا، وأن ننتهز فرصة التصاق عواطف من نرغب في وعظه فنأتي ونعطي العظة.

هكذا "فعظوهن" هذه معناها: برفق وبلطف، ومن الرفق واللطف أن تختار وقت العظة، وتعرف وقت العظة عندما يكون هناك انسجام، فإن لم تنفع هذه العظة، ورأيت الأمر داخلاً إلى ناحية الربوة؛ والنشوز.

المرأة عادة تدل على الرجل بما يعرف فيه من إقباله عليها، وقد تصبر المرأة على الرجل أكثر من صبر الرجل عليها؛ لأن تكوين الرجل له جهاز لا يهدأ إلا أن يفعل، لكن المرأة تستثار ببطء، فعندما تنفعل أجهزة الرجل فهو لا يقدر أن يصبر، لكن المرأة لا تنفعل ولا تستثار بسرعة، فأنت ساعة ترى ذلك، وهي تعرف أنك رجل تحب نتائج العواطف والاسترسال؛ فأعط لها درسًا في هذه الناحية، اهجرها في المضجع.

انظر إلى الدقة، لا تهجرها في البيت، لا تهجرها في الحجرة، بل تنم في جانب، وهي في جانب آخر، حتى لا تفضح ما بينكما من غضب، اهجرها في المضجع؛ لأنك إن هجرتها وكل البيت علم أنك تنام في حجرة مستقلة أو تركت البيت وهربت، فأنت تثير فيها غريزة العناد، لكن عندما تهجرها في المضجع، فذلك أمر يكون بينك وبينها فقط، وسيأتيها ظرف عاطفي فتتغاضى، وسيأتيك أنت أيضا ظرف عاطفي فتتغاضى، وقد يتمنى كل منكما أن يصالح الآخر.

إذن فقوله: "واهجروهن في المضاجع"، كأنك تقول لها: إن كنت ستدلين بهذه فأنا أقدر على نفسي، يتساءل البعض: وماذا يعني بأن يهجرها في المضاجع؟. نقول: ما دام المضجع واحدًا فليعطها ظهره وبشرط ألا يفضح المسألة، بل ينام على السرير وتغلق الحجرة عليهما ولا يعرف أحد شيئًا؛ لأن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت، وساعة يخرج الرجل وعواطفه تلتهب قليلاً.

والذي يفسد البيوت أن عناصر من الخارج تتدخل، تورث في المرأة عنادًا وفي الرجل عنادًا؛ لذلك لا يصح أن يفضح الرجل ما بينه وبينه المرأة عند الأم والأب والأخ، ولنجعل الخلاف دائمًا محصورًا بين الرجل والمرأة فقط، فهناك أمر بينهما سيلجئهما إلى أن يتسامحا معًا "فعظوهن واهجروهن في المضاجع".

واضربوهن"، وقالوا: إن الضرب بشرط ألا يسيل دمًا ولا يكسر عظمًا، أي يكون ضربًا خفيفًا يدل على عدم الرضا؛ ولذلك فبعض العلماء قالوا: يضربها بالسواك.

وعلمنا ربنا هذا الأمر في قصة سيدنا أيوب، عندما حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة، قال له ربنا: "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث"[ ص: 44 ].

والضغث هو الحزمة من الحشيش يكون فيها مائة عود، ويضربها ضربة واحدة فكأنه ضربها مائة ضربة وانتهت، فالمرأة عندما تجد الضرب مشوبًا بحنان الضارب فهي تطيع من نفسها، وعلى كل حال فإياكم أن تفهموا أن الذي خلقنا يشرع حكما تأباه العواطف، إنما يأباه كبرياء العواطف، فالذي شرع وقال هذا لا بد أن يكون هكذا.

"واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن"، أي ضربًا غير مبرح، ومعنى: غير مبرح أي ألا يسيل دمًا أو يكسر عظمًا.

ويتابع الحق: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً"، فالمسألة ليست استذلالاً، بل إصلاحًا وتقويمًا، وأنت لك الظاهر من أمرها، إياك أن تقول: إنها تطيعني لكن قلبها ليس معي؛ وتدخل في دوامة الغيب، نقول لك: ليس لك شأن لأن المحكوم عليه في كل التصرفات هو ظاهر الأحداث.

أما باطن الأحداث، فليس لك به شأن ما دام الحق قال "أطعنكم"؛ فظاهر الحدث إذن أن المسألة انتهت ولا نشوز تخافه، وأنت إن بغيت عليها سبيلاً بعد أن أطاعتك، كنت قويًا عليها فيجب أن تتنبه إلى أن الذي أحلها لك بكلمة هو أقوى عليك منك عليها وهذا تهديد من الله.

ومعنى التهديد من الله لنا أنه أوضح: هذه صنعتي، وأنا الذي جعلتك تأخذها بكلمتي "زوجني.. زوجتك".. وما دمت قد ملكتها بكلمة مني فلا تتعال عليها؛ لأنني كما حميت حقك أحمى حقها.

فلا أحد منكما أولى بي من الآخر، لأنكما صنعتي وأنا أريد أن تستقر.

اضافة تعليق