بعيدا عن الفتنة..الوجه الآخر لـ "ابن أبي دؤاد"

الإثنين، 03 ديسمبر 2018 02:10 م
بعيدا عن الفتنة..الوجه الآخر لابن أبي دؤاد


لا يوجد خير محض إلا في الجنة، ولا شر محض إلا في النار، وهذا يجعلنا نوقن أن الدنيا فيها الخير والشر بخلاف الآخرة، التي لا تقبل أنصاف الحلول.

ويسري هذا الأمر علي الأشخاص، خاصة من اشتهر عنهم مذاهب كلامية، وقضايا عقائدية، تسببت في فتنة وفوضى داخل المجتمع، مثل قضية "القول بخلق القرآن"، التي كان صاحبها ومنظرها قاضي الدولة العباسية "أحمد بن أبي دؤاد".
وعلى الرغم من اعتقاده ومذهبه، إلا أنه كان له خلال وصفات مبهرة، تفرض على الإنسان أن يكون له ميزان موضوعي في تقييم الأشخاص، مع ذكرهم بكل صفاتهم، دون التركيز علي جوانب الشر فقط، وهو ما تعلمنا إياه كتب التراجم والجرح والتعديل، وكيف كان الأئمة علي دراية بالنقل وأمانة في الوصف، وهو ما فعلوه مع أحمد بن أبي دؤاد" رأس الفتنة" في قضية القول بخلق القرآن.

ابن أبي دؤاد الإيادي:

القاضي الكبير، أبو عبد الله أحمد بن فرج بن حريز الإيادي، البصري، ثم البغدادي، الجهمي، كان داعية إلى خلق القرآن، له كرم وسخاء وأدب وافر ومكارم. قيل عنه: أكرم الدولة البرامكة، ثم ابن أبي دؤاد، لولا ما وضع به نفسه من محبة المحنة، ولم يضف إلى كرمه كرم.

وكان شاعرًا مجيدًا، فصيحًا، بليغًا، ما رؤي رئيس أفصح منه، معروفاً بالمروءة والعصبية.

أصله من قرية بقنسرين، واتجر أبوه إلى الشام، وأخرجه معه وهو حدث، فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام، حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال.

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت ابن أبي دؤاد في مجلس المعتصم وهو يقول: إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات الوزير في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك، ومخافة أن أعلمه التأتي لها؛ وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكانوا لايبدؤهم أحد حتى يبدأوه.
ذاكرة حديدية:

عقد الخليفة المأمون مجلسًا، فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دؤاد فعدهم واحدًا واحدًا بأسمائهم وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلاً فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه.
وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين: ابن أبي دؤاد عندنا لا يحسن اللغة وعندكم لا يحسن الكلام وعند الفقهاء لا يحسن الفقه، وهو عند المعتصم يعرف هذا كله.
وكانوا يقولون عنه: ابن أبي دؤاد روح كله من قرنه إلى قدمه، وقبل عنه أيضًا: ما رؤي أحدًا قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دؤاد، وكان يسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دؤاد فيكلمه في أهله وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد، ولقد كلمه يومًا في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهرًا في أقاصي خراسان، فقال له: وما علي من هذا النهر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أمر أدناها، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها.
خلاله وكلاماته من حكم التجربة:

ومن كلامه: ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير.

وقال أبو بكر الجرجاني: سمعت أبا العيناء ،الضرير يقول: ما رأيت في الدنيا أقوم على أدب من ابن أبي دؤاد، ما خرجت من عنده يومًا قط فقال: يا غلام خذ بيده، بل قال: يا غلام اخرج معه، فكنت أرقب هذه الكلمة عليه، فلا يخل بها، ولا أسمعها من غيره.

وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان، فمن استخف بالعلماء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته.
وحدث الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة الفراتية وأحضر السيف والنطع، فقال له المعتصم: فعلت وصنعت، وأمر بضرب عنقه، فقال له ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، سبق السيف العدل، فتأن في أمره فإنه مظلوم، قال: فسكن قليلاً.

قال ابن أبي دؤاد: وغمرني البول فلم أقدر على حبسه، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل، فجعلت ثيابي تحتي وبلت فيها حتى خلصت الرجل، قال: فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة، فقال: يا أبا عبد الله كان تحتك ماء فقلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا وكذا، فضحك المعتصم ودعا لي، وقال: أحسنت بارك الله عليك، وخلع عليه وأمر له بمائة ألف درهم.

بداية سعاته واتصاله بالدولة:

كان ابتداء اتصال ابن أبي دؤاد بالمأمون، أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني عنده يومًا إذ جاءه رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، وتكلمنا بحضرة المأمون فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون فانتسبت له.

 فقال: ما أخرك عنا فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: "حبسة القدر وبلوغ الكتاب أجله"، فقال: لا أعلمن ما كان لنا من مجلس إلا حضرته، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر.
وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضيًا على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو حدث سنه نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم ابن أبي دؤاد.

فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى: اختر لي من أصحابك جماعة يجالسونني ويكثرون الدخول إلي، فاختار منهم عشرين فيهم ابن أبي دؤاد، فكثروا على المأمون، فقال: اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دؤاد، ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسة فيهم ابن أبي دؤاد، واتصل أمره، وأسند المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم، وقال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولاتتخذن بعدي وزيرًا.

ولما ولي المعتصم، الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد حتى كان لا يفعل فعلاً باطنًا ولا ظاهرًا إلا برأيه، وامتحن ابن أبي دؤاد الإمام أحمد بن حنبل، وحاول أن يلزمه القول بخلق القرآن الكريم، وذلك في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين.

ولما مات المعتصم، وتولى بعده ولده "الواثق بالله"، حسنت حال ابن أبي دؤاد عنده، ولما مات الواثق بالله وتولى أخوه المتوكل فلج ابن أبي دؤاد في أول خلافته، وذهب شقه الأيمن، فقلد المتوكل ولده محمد بن أحمد القضاء مكانه، ثم عزله في سنة ست وثلاثين ومائتين، وقلد يحيى بن أكثم.

وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس محمد بن عبد الملك الزيات الوزير إلا قام له، فكان ابن أبي دؤاد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي، فقال ابن الزيات:

صلى الضحى لما استفاد عدواتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مسمـــومة    .. تركتك تقعد تارة وتقوم ومدحه

اضافة تعليق