ماذا تختلف لحيتك عن الآخرين؟.. الإيمان عمل لا قول.. سلوك قبل أن يكون مظهرًا

الإثنين، 03 ديسمبر 2018 10:41 ص
ماذا تختلف لحيتك عن الأخرين



يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويقول أيضًا: "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثًا أو مرتين. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "أحسنكم خلقًا".

كثيرا ما تنتشر اللحى بين البشر على اختلاف عقائدهم، فمنهم من يطلقها على اعتناق النصرانية، ومنهم من يطلقها على اليهودية، ومنهم من يطلقها إلحادًا دون الإيمان بأي إله، ومنهم من يطلقها على البوذية والسيخية، ومنهم من يطلقها على الإسلام.

وتتساوى اللحى إذا تساوت الأفعال، التي لا تنصر خلقًا ولا فطرة، فيكون الفيصل هو ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بأن أحبهم وأقربهم منه صلى الله عليه وسلم هم أحاسن الناس أخلاقًا.


وإذا نظرنا إلى الإسلام نجد أن مفهوم العبادة في الإسلام يفرق بين الشعائر التي تعتبر بين العبد وربه، وهي تمثل نسبة صغيرة من الإسلام، وبين المعاملات التي تشمل أغلب نصوص الإسلام من حيث الحلال والحرام، مثل البيع والشراء والزواج والطلاق والسير في الطرقات والمعاملات المالية والعدل والصدق والإرث ومعاملة الجيران وغيرها من العبادات التي شملتها نصوص القرآن والسنة النبوية المطهرة.

فضلاً عن المعاملات بين الناس وبعضهم البعض، ولا يتم دين المسلم إلا بهما، ولا ينجو إلا بالجمع بينهما، ولا يمكن للإسلام أن يطغى بإحداهما على حساب الأخرى، فربما يمتلئ المسجد بالمصلين، ولكن لا تمتلئ الشوارع بأخلاق المسلمين، فيعم الفساد وتنتشر الرذيلة.

وخير دليل على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حذر من محبطات العمل والعبادة، فماذا يغني المسلم أن يقوم الليل ويصوم النهار ويحافظ على الصلوات في أوقاتها في الجماعات، ثم إذا باع غش، وإذا تكلم كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر؟.

وماذا يفيد إذا كان ظاهر الإنسان الإسلام والالتزام، ولكنه غليظ قاس، عبوس جاف، يزدري البشر، ويتكبر على العباد، ويظلم الضعيف، ويأكل مال الناس بالباطل؟.

فعبارة "الدين المعاملة" وإن لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم لفظًا، إلا أنها صحيحة المعنى، فكثيرٌ هم الذي يتمسكون بالهدي الظاهر، ويؤدون شعائر الإسلام وفرائضه في أوقاتها ولا يتكاسلون عنها، لكن هناك من يرسب في اختبار السلوك والتعامل مع الناس.

 لذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الشروط لتمام الإيمان، ومجسدًا لحسن الأخلاق، فقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، "ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع" .

ويؤكد الفقهاء أن من فهم أن الإسلام هو اللحية أو الجلباب فقد أساء الفهم لحقيقة الإسلام، بل يسيء إلى الإسلام من حيث لا يدري ولا يعلم، فربما لم تصح عباداته الشعائرية طالما أنها لم تتهذب نفسه ولم يتخلق بالحسن مع الناس عندما يعاملهم، فإن المسلم الحقيقي هو من سلم المسلمون من لسانه ويده، وليس المسلم مَنْ يأتي؛ بصلاة, وصيام, وزكاة، وقد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا بل من كان هذا حاله فهو المفلس يوم القيامة.

 لذلك جاء الإسلام بنظام شامل للحياة يحدد شكل علاقة الإنسان بخالقه، كما ينظم له علاقاته ومعاملاته مع الآخرين من مسلمين وغير مسلمين.

 ومن أروع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق، قوله: "اتق الله حينما كنت وخالق الناس بخلق حسن واتبع السيئة الحسنة تمحها".

فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم لثلاث حقوق أولها حق الله وأن نعمل بتقواه، وثانيها حق البشر في أن نخالقهم ونعاملهم بأخلاق حسنة، وحق النفس وهي أن نستغفر لذنوبنا وأن نسارع إلى الحسنة لنمحو بها السيئة.


كما نص الإسلام على تنظيم المعاملات بين البشر، ووجد لها الفقهاء أدلة وبراهين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونظموا ضوابطها وأصولها وشروط صحتها وآثارها.


ومن بين صور التعامل التي أباحها الإسلام ووضع لها الضوابط والقواعد المنظمة لها والتي تكشف الأخلاق الحقيقية للمسلم هو (البيع)، فهو من المعاملات التي تقوم عليها حياة المجتمعات، وأحل الله تعالى البيع، وجعله الطريق الطبيعي لحصول الناس على ما يحتاجون إليه من إنتاج الغير، فليس بمقدور الشخص أن ينتج بنفسه كل ما هو في حاجة إليه، وإنما ينتج بعض ما يسد حاجته، ويحصل على بقية احتياجاته من الآخرين، بدلاً من الاستيلاء عليها بطريق غير مشروع مثل السرقة أو الغصب.

"وأحل الله البيع"، وأحل تبادل المال بين الناس عن طريق البيع، ولأهمية البيع في حياة الناس، شرعه الإسلام ونظمه الفقه تنظيمًا دقيقًا، وأحاطه بالضمانات التي تجعله يحقق مصالح الناس، ولا تنتج عنه مشكلات أو منازعات.

ويظهر دينك الحقيقي من خلال أخلاقك مع الناس وتجارتك معهم، فالتعامل المادي هو الكاشف الحقيقي لأخلاقيات الناس، فعندما تأكل قرشًا من حرام فرَّغت العبادات من مضمونها، لذلك يقول النبي "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".


اضافة تعليق