الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.. "صوت مكة" الذي تغنى بالقرآن

السبت، 01 ديسمبر 2018 10:21 ص
636650213151263155

لقب بـ "صاحب الحنجرة الذهبية"، و"كروان الجنة" و"صوت مكة"، لأنه أول من قرأ في الحرم المكي والحرم النبوي، عندما سافر لأداء فريضة الحج بالباخرة مع والده فى أوائل الخمسينيات، كما قرأ القرآن بالمسجد الإبراهيمي بالخليل بفلسطين والمسجد الأموي بدمشق، وأشهر المساجد بآسيا وإفريقيا والولايات المتحدة وفرنسا ولندن والهند ومعظم دول العالم.

إنه الشيخ عبدالباسط عبدالصمد الذي ولد في عام ١٩٢٧ بقرية المراعزة التابعة لأرمنت في محافظة قنا، جنوبي مصر، حيث كان من الشائع أن يرسل الأهالي، أبناءهم إلى الكتاتيب في ذلك، غير أنه تميز عن أقرانه، بسرعة الحفظ، وحلاوة الصوت، وجمال التلاوة، وحفظ القرآن الكريم وأتمه وهو لم يبلغ السابعة من عمره على يد الشيخ "الأمير" -شيخ الكتاب - الذى تنبأ له بمستقبل باهر فى مجال القراءة.

فنصح والده الشيخ محمد عبدالصمد ألا يلتحق ابنه عبدالباسط بالتعليم الأزهرى مثل أخويه محمود وعبدالحميد وأن يتفرغ للقرآن الكريم، فوهبه والده للقرآن لذا قرر أبوه إرساله إلى طنطا للمسجد الأحمدى ليتلقى علوم القرآن والتلاوات السبع على يد الشيخ محمد سليم.

ولأن الله عندما يريد لك شيئًا فهو يهيئ لك أسبابه، فقبل يوم من السفر، وصل الشيخ محمد سليم إلى أرمنت كمدرس للقراءات بالمعهد الديني، وأنشأ له الأهل جمعية بـ "أصفون المطاعنة" لتحفيظ القرآن وتعليم علومه وقراءاته، وعلى يديه راجع الشيخ عبدالباسط عبد الصمد القرآن كله، ثم حفظ الشاطبية في القراءات السبع.

وقد أعجب به معلمه ووجد فيه نبوغًا مبكرًا، فعمل على إبراز موهبته وبدأ يصطحبه معه في الحفلات والليالي التي يدعى إليها ويدعوه للقراءة والتلاوة ويشجعه عليها، ولما بلغ الثانية عشرة ذاع صيته وانهالت عليه الدعوات من مدن وقرى قنا، واتسعت شهرته في الصعيد.

غير أن شهرته الحقيقية بدأت في القاهرة التي هبطها في ١٩٥٠ في سياق الاحتفال بمولد السيدة زينب، وكان هذا الاحتفال بداية بزوغ نجمه وكان أحد أقارب الشيخ استأذن القائمين على الاحتفالية أن يقدم لهم هذا الفتى الموهوب ليقرأ عشر دقائق فقط فأذنوا له.

وقام إمام المسجد وقتها الشيخ "علي سبيع" بتقديمه للتلاوة قائلاً للحضور: أقدم لكم قارئًا من الصعيد، وما إن استغرق في التلاوة من سورة الأحزاب: "إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"، حختى عم الصمت أرجاء المسجد واتجهت الأنظار إلى القارئ الصغير، وبدلاً من القراءة عشر دقائق امتدت لأكثر من ساعة ونصف نزولاً على رغبة الحاضرين.

وتقدم الشيخ عبدالباسط إلى الإذاعة في ١٩٥١، وتشكلت لجنة من كبار العلماء ضمت الشيخ الطباع شيخ عموم المقارئ المصرية والشيخ محمود شلتوت قبل أن يتولى مشيخة الأزهر والشيخ محمد البنا.

وقد أجازته اللجنة فورًا، واعتمدته قارئًا فى الإذاعة، وذاع صيته مع أول قراءة له في الراديو، وصار له وقت محدد مساء كل يوم سبت تذاع قراءته عبر الأثير، وفي ١٩٥٢ تم اختياره قارئًا في مسجد الإمام الشافعى، ثم مسجد الحسين بدءًا من ١٩٥٨.

وبسبب التحاقه بالإذاعة، زاد الإقبال على شراء أجهزة الراديو، وتضاعف إنتاجها وانتشرت بمعظم البيوت للاستماع إلى صوت الشيخ عبدالباسط، وكان الذي يمتلك جهاز "راديو" في منطقة أو قرية من القرى كان يقوم برفع صوت الراديو لأعلى درجة حتى يتمكن الجيران من سماعه وهم بمنازلهم، وخاصة كل يوم سبت على موجات البرنامج العام من الثامنة وحتى الثامنة والنصف مساءً، بالإضافة إلى الحفلات الخارجية التي كانت تذاع على الهواء مباشرة من المساجد الكبرى.

وقال في وصفه الكاتب الراحل محمود السعدني، إن من امتلك صوتًا من معدن الشيخ عبد الباسط فهو قادر أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وكان له طقوسه الخاصة داخل منزله الذي يمتلئ باللون الأخضر، حتى إن مسبحته خضراء وكذلك هاتفه وسيارته، والكثير من أثاث المنزل.

ويحكي السعدني بعض الأسرار عن الشيخ عبد الباسط، فيقول: "كانت الخطابات وسيلته للاتصال بالناس، فكان يضع في درج مكتبه ألف صورة له، يضعها في خطابات في لون البنفسج، ويرسل بها إلى المعجبين في كل مكان".

وكان للشيخ الفضل في إنشاء نقابة لمحفظى القرآن الكريم، وقد انتخب كأول نقيب للقراء في ١٩٨٤، حتى لقى ربه في ٣٠ نوفمبر ١٩٨٨.
وطاف الشيخ عبدالباسط بكل البلدان العربية والكثير من البلاد الإسلامية والأوربية والأمريكتين، وكانت أول زيارة له خارج مصر بعد التحاقه بالإذاعة العام 1952، زار خلالها السعودية لأداء فريضة الحج ومعه والده، وقد قرأ القرآن بالحرم المكي.

وقام بتسجيل عدة تلاوات التي سُجلت بالحرم المكي والمسجد النبوي الشريف، ليلقب بعدها بـ "صوت مكة"، ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي زار فيها السعودية، وإنما تعددت الزيارات ما بين دعوات رسمية وبعثات وزيارات لحج بيت الله الحرام.

وكان يحظى بالاستقبال الرسمي في رحلاته الخارجية، فاستقبله الرئيس الباكستاني في أرض المطار وصافحه وهو ينزل من الطائرة.

وفي جاكرتا بإندونيسيا، قرأ القرآن في عام 1955، بأكبر مساجدها فامتلأت جنبات المسجد بالحاضرين، وامتد المجلس خارج المسجد لمسافة كيلو متر مربع فامتلأ الميدان المقابل للمسجد بأكثر من ربع مليون مسلم يستمعون إليه وقوفًا على الأقدام حتى مطلع الفجر.

ومن بين الدول التي زارها "الهند" لإحياء احتفال ديني كبير أقامه أحد الأثرياء المسلمين هناك، وقد فوجئ بجميع الحاضرين يخلعون الأحذية ويقفون على الأرض، وقد حنّوا رؤوسهم إلى أسفل ينظرون محل السجود وأعينهم تفيض من الدمع يبكون، إلى أن انتهى من التلاوة وعيناه تذرفان الدمع تأثرًا بهذا الموقف الخاشع.

وحظي الشيخ الراحل بالكثير من مظاهر التقدير عربيًا ودوليًا، ومن أهم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها: وسام الكفاءة الفكرية المغربي، وسام الاستحقاق السنغالي، وسامان من رئيس وزراء سوريا صبرى العسلي عام 1959، وسام ماليزيا الذهبي، وسام الاستحقاق من أندونيسيا، وسام الإذاعة المصرية فى عيدها الخمسين عام 1984، الوسام الذهبى من باكستان عام 1985 نياشين من تونس ولبنان والعراق، وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من مصر في عيد العلم عام 1987، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في الاحتفال بليلة القدر عام 1990 (بعد وفاته بعامين).

لم تمنعه قراءة القرآن من ارتداء أفخر الثياب ووضع أرقى العطور واقتناء السيارات الفارهة، كان يرى أن قارئ القرآن يجب أن يهتم بمظهره أكثر من أى شخص آخر، فقد كان يتعمد العمل على تغيير تلك الفكرة المأخوذة عن قراء القرآن الكريم وهى عدم الاهتمام بمظهرهم وضعف مستواهم الاجتماعى، وانتظارهم لصينية الفتة باللحمة فى نهاية الليلة، فكان دائمًا ما يتناول وجبتي الغداء والعشاء في أفخر الفنادق.

وعندما سافر إلى فرنسا هو وأخوه الأكبر محمود ليقرأ القرآن على مسرح "الأماندييه" بباريس ونزل في مطار شارل ديجول، لاحظ أن الناس تنظر إلى الزى الأزهرى باستغراب شديد، فشعر بالحرج وقال لأخيه: لابد من شراء البدل حتى لا نصبح فرجة للناس هنا.

والشيخ عبدالباسط تزوج وهو في التاسعة عشرة من عمره من ابنة عمه الحاجة "رسمية" وكانت فى السابعة عشرة آنذاك، وأنجبت له أحد عشر كوكبًا - كما كان يحب أن يطلق عليهم - أربعًا من الإناث وسبعة من الذكور، جميعهم يحفظون القرآن الكريم حفظاً كاملاً بالتجويد.

لكن لم يعمل في مجال القراءة سوى اثنين فقط من الأبناء وهم الشيخ طارق عبدالباسط رغم أنه ضابط شرطة والشيخ ياسر عبدالباسط الذي تفرغ لقراءة القرآن الكريم.

وقد توفي يوم الأربعاء 30 نوفمبر 1988، بعد صراع مع المرض، حيث كان مصابًا بمرض السكري، فضلاً عن الكبد، وقد تدهورت حالته ما اضطره إلى السفر بريطانيا للعلاج، إلا أنه لم يستمر أكثر من أسبوع، وطلب من نجله "طارق" الذي كان برفقته العودة إلى مصر، حيث توفي وشارك في تشييع جنازته سفراء العديد من الدول نيابة عن شعوبهم وملوك ورؤساء دولهم.

اضافة تعليق