تعرف سيرة "عمر بن عبد العزيز".. لكن هل تعلم مآثر والده؟

الجمعة، 30 نوفمبر 2018 09:52 ص
نحب أخبار  عمر بن عبد العزيز .. وننسي والده


نسمع ونبحث كثيرًا عن سيرة وأخبار أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، خامس الخلفاء الراشدين، ونغفل عن أخبار والده، الذي رسم له الطريق، ووضع قدمه على طريق الصلاح، عندما أرسله من مصر إلى المدينة المنورة، التي كانت أكبر جامعة إسلامية وقتذاك في العالم الإسلامي لينهل من علمها ويهذّب نفسه، كان أيضًا يتابع تحركات نجله هناك وطبيعة دراسته وهمته في التحصيل.


فمن هو عبد العزيز بن مروان؟

هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، ولد بالمدينة، ودخل الشام مع أبيه مروان، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك، وولاه أبوه إمارة الديار المصرية في سنة خمس وستين من الهجرة.


وكان ثقة قليل الحديث، وقال غيره: كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه- وهو زوج ابنته- فقال له عبد العزيز: مَنْ خَتَنَك؟ - قالها بالفتح فتحول المعنى- فقال الرجل: ختنني الخاتن- من يقوم بعملية الختان-  الذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني؟


 فقال الكاتب: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من خَتَنًك،- بضم النون-  فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها، فخرج وهو من أفصح الناس.

وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يفصح كلامه، وينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية.

قال عبد العزيز ذات يوم إلى رجل: ممن أنت؟ قال: من بنو عبدالدار، فقال: تجدها في جائزتك، فنقصت جائزته مائة دينار، وكان وفق قواعد النحو أن يجيب – من بني عبد الدار- .

وكتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر: ارفع إلي حاجتك، فكتب إليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول»، ولست أسألك شيئًا ولا أرد رزقًا رزقنيه الله عز وجل منك.

وقيل: بعث عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر، قال حاملها: فجئت فدفعت إليه الكتاب، فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال: لا والله لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار، قال: فدفع إلي الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضي الله عنه.

مأثورات والد الخليفة الراشد:


عجبًا لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه، كيف يمنع مالا عن عظيم أجر وحسن ثناء.

 ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد من ذهب، فقال: والله لوددت أنه بعر بنجد، وقال: والله لوددت أني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، وقال لهم: ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول: أف لك ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك.

وكانت وفاته ليلة سنة خمس وثمانين من الهجرة ، قبل أخيه عبدالملك، الذي توفي في سنة ست وثمانين من الهجرة.

كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريمًا جوادًا ممدحًا، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة.

 وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ- مات قبله بقليل فحزن عليه كثيرًا، ومرض بعده ومات.

وقد مات بمدينة "حلوان" في مصر ، - وهو الذي بناها، حيث أصاب الناس وباء في الفسطاط، فخرج بجيشه وعجبه مناخ حلوان فبناها واستقر بها، وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها.

 وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف، من جملة ذلك ثلاثمائة مد من ذهب غير الفضة، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل.

وكتب عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز وهو بالديار المصرية، يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده، فإنه أعز الخلق علي.

 فكتب إليه عبد العزيز يقول: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد.

فكتب إليه عبد الملك يأمره، بحمل خراج مصر- وقد كان عبدالعزيز لا يحمل إليه شيئًا من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها.

فكتب عبد العزيز إلى عبد الملك: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنًا لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلاً، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولاً، فإن رأيت أن لا تعتب عليّ بقية عمري فافعل، فرقّ وحنّ له عبدالملك وكتب إليه: لعمري لا أعتب عليك بقية عمرك.

وقال عبد الملك لابنه الوليد: إن يرد الله أن يعطيك الخلافة لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان: هل قارفتما محرمًا أو حرامًا قط؟ فقالا: لا والله، فقال: الله أكبر، نلتماها ورب الكعبة.

اضافة تعليق