" اللغة العربية " بين أسقف قرطبة وزماننا

الخميس، 29 نوفمبر 2018 08:18 م
تنزيل



الأيام دول، وكذلك الحضارات والأمم، هكذا يحكي لنا التاريخ، فنحن الآن نكاد ننشد بكائيات عن الشباب الذين غادروا ثقافتهم فوق رصيف الإهمال واستخفوا بدينهم وتراثهم وحضارتهم ولغتهم، وذهبوا ليخلعوا جلودهم وعقولهم على بوابة «التبعية» بحسب الداعية الشيخ وجدان العلي،  حتى يتم السماح لهم بالدخول إلى العصر الجديد، ونسوا أن التقدم يقوم على الحقيقة النابعة من الذات وليس على الاستعارة المستوردة من الخارج بلا بصيرة تسعى للاستقلال.

يحكي لنا التاريخ أنه في حقبة من الزمن، تلك التي ذهب فيها المسلمون إلى أوروبا حاملين ضياء العلوم ، والرحمة، والعدل، حضارة وفكرًا وثقافة، جعلوا من المدن الكبرى فى الأندلس موطناً للعلم والعلماء، ومقصداً للرحَّالة وطلبة العلم من أوروبا على اختلاف أديانهم ومشاربهم، فأقبل الكثيرون على الدخول في الإسلام، وانقلبت اسبانيا إلى جامعة كبيرة تعج بنشاط تعليمى علمى ،  فى طليطلة وقرطبة وبلنسية وإشبيلية وغرناطة والميرة وغيرها.

ويستمر التاريخ ليحكي لنا عن دخول البعض في " العربية " إذا لم يدخل في " الإسلام "، حديثاً وبياناً وتفكيراً، حتى صارت العمامة «الشرقية» والزى العربى علامة على العلم فى نظر الشباب الإسبانى!!

وواكب ذلك تواجد " ألبارو " أسقف قرطبة الذي كان يبث بكائيات على ما آل إليه حال الشباب الإسبانى المفتون بذلك «العربى الوافد» وحضارته المدهشة، قائلا: «إن كثيرين من أبناء دينى يقرأون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين؛ ليس ليدحضوها، وإنما ليتقنوا اللغة العربية، ويُحسِنوا التوسّل بها.. واحسرتاه! إنهم لا يعرفون اليوم سوى لغة العرب والأدب العربى، مُنفقين المبالغ الطائلةَ فى اقتناء الكتب العربية، ويُذيعون جهراً فى كل مكانٍ أن ذلك الأدب العربى جديرٌ بالإكبار والإعجاب.. وامصيبتاه! إنهم نسوا حتى لغتَهم الأم، فلا تكاد تجد اليومَ واحداً فى الألف يستطيع أن يُدبِّج رسالةً يسيرةً باللاتينية السليمة، بينما لا تستطيع أن تُحصى من يحسن منهم العربيةَ تعبيراً وكتابةً وتحبيراً، بل إن منهم من يُتقن الشعر ويفوق فيه بعض العرب»!

ويحكي لنا التاريخ في ذلك أيضًا، أن مصابيح العلوم العربية خفتت ثم انطفأت، كما يفسر الداعية العلي،  ونهض الشباب الأوروبى إلى تراثه ولغته، وقامت المدارس وأُلحِقت بالأديرة والكنائس فى عزمٍ عارم وجدٍّ لا يعرف الهزل، فذاع صيت مدارس: أوبيدو، وليون، وبرشلونة، وسانت باجو، وبالهمة الراشدة والتعليم الجاد اتسعت رقعة الضوء، والاهتمام بالعلم، فتأسست مدارس أخرى فى باريس وأورليان وتور، وفى كبرى مدن إيطاليا وإنجلترا وبلجيكا، وطُوِيت آهات «ألبارو» فى صخب الحياة الجديدة، والحضارة الجديدة، التى ساد فيها الحرف اللاتينى والعِلم اللاتينى، والفكر اللاتينى، وهو ما نعيشه الآن في ظل العولمة.

اضافة تعليق