صحابي اتهم بـ "الجاسوسية" كيف تعامل معه النبي؟

الخميس، 29 نوفمبر 2018 02:00 م
أخطأوا أخطاء جسيمة.. فكيف عاملهم الرسول


لا شك أن الصحابة بشر كبقية البشر – نعم- خصهم الله بالفضيلة العظمي وهي صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كانت تقع منهم الهفوات والزلات، بل والكبائر؟

فكيف كان يتعامل مع هذه الأخطاء، ويعرف في النهاية بعبقريته الإدارية، أنهم بشر، كما كان صلى الله عليه وسلم يقدر صنيع الشخص المخطيء، حتى لو أتى بكبيرة، بقدر صنيعه للإسلام وعطائه، ليعلم الأمة من بعده، الحفاظ علي الطاقات، وأصحاب الأعمال الكبيرة، كما قال الله تعالى: "وما كان الله ليضيع إيمانكم".

ومن ذلك ما وقع من إفشاء سر الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاولة كشف خطته للمشركين، وذلك ما فعله الصحابي "حاطب بن أبي بلتعة"، والذي يعرف الآن بحكم "الجاسوس".

مع ذلك، تذكر النبي صلي الله عليه وسلم أنه شهد معه بدرًا، وأنها اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنته من محبة الله لها ورضاه بها وفرحه بها ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجاسوسية من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه، وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات، الموجبين لصحة القلب ومرضه.


 يقول ابن القيم: "وهذا يشبه حكمته تعالى في الصحة والمرض اللاحقَيْن للبدن، فإن الأقوى منهما يقهر المغلوب ويصير الحكم له، حتى يذهب أثر الأضعف، فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره".

وقد قال تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات"، ويقول أيضًا: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، فهو ثابت في عكسه، لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون".

 فالنصوص والآثار تدل على تدافع الحسنات والسيئات وإبطال بعضها بعضًا، وذهاب أثر القوي منها بما دونه، وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط.

وبالجملة، فقوة الإحسان ومرض العصيان متصاولان ومتحاربان، ولهذا المرض مع هذه القوة حالة تزايد وترام إلى الهلاك، وحالة انحطاط وتناقص، وهي خير حالات المريض، وحالة وقوف وتقابل إلى أن يقهر أحدهما الآخر.

يقول ابن القيم: وإذا دخل وقت الاختلاط وهو ساعة المناجزة فحظ القلب أحد الخطتين، إما السلامة، وإما المرض، وهذا الاختلاط  يكون وقت فعل الواجبات التي توجب رضى الرب تعالى ومغفرته، أو توجب سخطه وعقوبته، وفي الدعاء النبوي: "أسألك موجبات رحمتك"، وقال عن طلحة يومئذ: "أوجب طلحة"، ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وقالوا: يا رسول الله إنه قد أوجب فقال: "اعتقوا عنه".

وفي الحديث الصحيح "أتدرون ما الموجبتان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل قطعًا، والعلاج المنجي قطعًا.

وكما أن البدن قد تعرض له أسباب رديئة لازمة توهن قوته وتضعفها، فلا ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تحيلها تلك المواد الفاسدة إلى طبعها وقوتها، فلا يزداد بها إلا مرضا، وقد تقوم به مواد صالحة وأسباب موافقة توجب قوته وتمكنه من الصحة وأسبابها، فلا تكاد تضره الأسباب الفاسدة، بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها، فهكذا مواد صحة القلب وفساده.

فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا أثّر في حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم.

فلما جاء مرض الجاسوسة برزت إليه هذه القوة، وكان القلب صالحًا فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن به علة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرضه وقهرته، قال لمن أراد علاجه: لا يحتاج هذا العارض إلى علاج، "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .

اضافة تعليق