"فراسة" الصحابة والتابعين.. مواقف أبقت ذكرهم بين الناس إلى الآن

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018 12:21 م
« العقلاء».. لحظة واحدة في حياتهم عاشت قرون


أعظم نعمة من الله علي الإنسان هو العقل، وبه تميز عن غيره من الكائنات، وشرفه الله به بين مخلوقاته.


والناس متفاوتون في عقولهم، على قدر عقولهم، كان ذكرهم وشهرتهم، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم، كان أكمل الخلق عقلاً، ولذلك كل من اقترب منه خضع له في ذلك، وشرب من جمال عقله وحسن فراسته.

ومن ذلك فراسة الصحابي حذيفة بن اليمان، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عينًا إلى المشركين في غزوة الأحزاب فجلس بينهم.

فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم جليسه، فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان.

كما كان الصحابي المغيرة بن شعبة من ذوي الفراسة، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فكرهه أهلها فعزله عمر عنهم، فخافوا أن يرده عليهم.

فقال كبيرهم: إن فعلتم ما آمركم به لم يرده علينا، قالوا مرنا بأمرك،  قال: تجمعون مائة ألف درهم، حتى أذهب بها إلى عمر، وأقول: إن المغيرة كان خائنًا، فجمعوا ذلك، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة خانك في هذا، فدفعه إليه.

فدعا عمر المغيرة، فقال: ما يقول هذا؟ قال: كذب، أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة.

فقال عمر لكبير القوم: ما تقول؟ فقال: لا والله، لأصدقنك، والله ما دفع إلي قليلاً ولا كثيرًا، ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: إن الخبيث كذب علي فأردت أن أخزيه.

ومن فراسته أيضًا، أنه خطب امرأة، كان قد خطبها فتى من العرب، وكان الفتى جميلاً، فأرسلت إليهما المرأة: لا بد أن أراكما، وأسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما، فأجلستهما بحيث تراهما.

فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فأقبل عليه، فقال: لقد أوتيت حسنًا وجمالاً وبيانًا، فهل عندك سوى ذلك؟ قال: نعم، فعدد عليه محاسنه، ثم سكت.

فقال المغيرة: فكيف تحاسب أهل بيتك؟، فقال: في أقل من الخردلة، فقال له المغيرة: لكني أضع المال في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها.

 فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلي من الذي يحصي عل أدنى من الخردلة، فتزوجت المغيرة.

أيضًا كان من يشتهر بالفراسة، الصحابي عمرو بن العاص، لما حاصر غزة، بعث إليه صاحبها: أن أرسل إلي رجلاً من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو بن العاص، وقال: ما لهذا الرجل غيري فخرج حتى دخل عليه، فكلمه كلامًا لم يسمع مثله قط.

فقال له: حدثني، هل أحد من أصحابك مثلك؟ فقال: لا تسل، من هواني عندهم بعثوني إليك، وعرضوني لما عرضوني، ولا يدرون ما يصنع بي.

 فأمر له بجارية وكسوة، وبعث إلى البواب: إذا مر بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه، فمر برجل من نصارى غسان فعرفه.

 فقال يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج، فرجع، فقال له الملك: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني، فلم أجد ذلك يسع من معي من بني عمي، فأردت الخروج، فآتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة رجال خيرًا من أن يكون عند واحد، قال: صدقت عجل بهم، وبعث إلى البواب: خل سبيله، فخرج عمرو وهو يلتفت، حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها.

فلما كان بعد، رآه الملك، فقال: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك.

ومن أجمل الفراسة فراسة الحسن بن علي - رضي الله عنهما - لما جيء إليه بابن ملجم قال له: أريد أن أحدثك بكلمة سرًا، فأبى الحسن، وقال: تريد أن تعضّ أذني، فقال ابن ملجم: والله لو أمكنتني منها لأخذتها من جذرها.

وقال العقلاء: انظروا إلى حسن رأي هذا السيد الذي قد نزلت به من المصيبة العاجلة ما يذهل الخلق، وفطنته إلى هذا الحد، وإلى ذلك اللعين كيف لم يشغله حاله عن استزادة الجناية.

ومن ذلك أيضًا فراسة العباس رضي الله عنه بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إذ وجد ريحًا. فقال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ، فاستحيا الرجل، ثم قال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ، فإن الله لا يستحيي من الحق. فقال العباس: ألا نقوم كلنا نتوضأ؟.

وقد وقعت مثل هذه الواقعة في مجلس عمر رضي الله عنه، حيث كان في بيت، ومعه جرير بن عبد الله البجلي، فوجد عمر ريحًا.

فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ. فقال جرير: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعًا. فقال عمر: يرحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد وأنت في الإسلام.

ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك الروم، فحسد المسلمين عليه، فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك.

فلما قرأها قال: أتدري ما فيها؟ قال: فيها "عجب، كيف ملكت العرب غير هذا؟"، فسألها: أفتدري ما أراد؟ قال: لا. قال: حسدني عليك، فأراد أني أقتلك، فقال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني، فبلغ ذلك ملك الروم، فقال: والله ما أخطأ ما كان في نفسي.

اضافة تعليق