ابنة "أكرم العرب": الرسول أكرم من والدي

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018 10:25 ص
«ابن أكرم العرب» تشهد الرسول أكرم من والدي


ربما لم يشتهر أحد بالكرم والسماحة في تاريخ العرب مثل ما اشتهر "حاتم الطائي"، وصار مثلاً يقتدى به، ويقاس عليه الكرم.

كان حاتم يسير في قومه بالمرْباع، وهو ربع الغنيمة، وكان ولده عدي يعادي النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث النبي علي بن أبي طالب إلى "طي"، فهرب عدي بأهله وولده ولحق بالشام، وخلف أخته "سُفّانة"- وتعني الجوهرة- ، فأسرتها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما أتي بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الرافد، فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبًا، أنا بنت حاتم الطائي.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقًا، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.

وقال فيها: "ارحموا عزيزًا ذل وغنيًا افتقر، وعالمًا ضاع بين جهال"، فأطلقها ومنّ عليها، فاستأذنته أن تدعو له، فأذن لها، وقال لأصحابه اسمعوا وعوا، فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببًا في ردها عليه.

 فلما أطلقها صلى الله عليه وسلم رجعت إلى قومها، وأتت أخاها عديا، وقالت له يا أخي: ائت هذا الرجل قبل أن يدركك، فإني قد رأيت هديًا، ورأيًا سيغلب أهل الغلبة رأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه صلى الله عليه وسلم، وإني أرى أن تلحق به، فإن يك نبيًا فلسابق فضله، وإن يك ملكًا فلن يذل في عزه.

فقدم عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فألقى له وسادة محشوة ليفًا، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض، فأسلم عدي بن حاتم، وأسلمت أخته سفانة بنت حاتم المتقدم ذكرها، وكانت من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الكريمين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فأما أن أعطي وتمسكي، وأما أن أمسك وتعطي، فإنه لا يبقى على هذا شيء، فقالت له: منك تعلمت مكارم الأخلاق.

قال ابن الأعرابي: كان حاتم الطائي من شعراء الجاهلية، وكان جوادًا يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرًا إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق، وكان إذا أهلّ رجب الذي كانت تعظمه العرب في الجاهلية نحر كل يوم عشرًا من الإبل وأطعم الناس، واجتمعوا إليه.

ومن مكارم حاتم وكرمه في الجاهلية التي رويت عن زوجته أنها قالت: أصابت الناس مجاعة أذهبت كل شيء من الطعام، وقد أخذني وإياه الجوع وسهرنا، فأخذت سفانة، وأخذ عديًا، وجعلنا نصبرهما بالكلام حتى ناما، فأقبل عليّ يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام، فرفقت به لما به من الجوع، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ فلم أجبه.

فسكت ونظر في فناء الخيمة، فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه، فإذا امرأة، فقال: ما هذا؟ فقالت: يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب من الجوع، فقال لها: أحضري صبيانك، فوالله لأشبعنهم، فقامت سريعة لأولادها.

تقول زوجته: فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم: بماذا تشبع أطفالها، فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقال: والله لأشبعنك وأشبعن صبيانك وصبيانها، فلما جاءت المرأة نهض قائمًا، وأخذ السكين بيده وعمد إلى فرسه، فذبحه، ثم أشعل نارًا ودفع إليها سكينًا، وقال: قطعي واشوي وكلي واطعمي صبيانك.

فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها، فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم. فقال: والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم، ثم أتى الحي بيتًا بيتًا يقول لهم انهضوا بالنار، فاجتمعوا حول الفرس، وتغطى حاتم بكسائه وجلس ناحية، فو الله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير، وما ذاقها حاتم، وإنه لأشدهم جوعًا.

اضافة تعليق