"وسراجًا منيرًا".. اقتبس منه "سلمان".. وحرم منه "أبولهب"

الإثنين، 26 نوفمبر 2018 03:49 م
«وسراجا منيرا»..اقتبس منه سلمان..وحرم منه  أبو لهب



خاطب الله سبحانه وتعالي أنبياءه بأسمائهم، وخاطب رسوله بالرسالة وبالنبوة فقال تعالي: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً".

فهذا خطاب خاص، وما ناداه باسمه يا محمد كغيره إلا في أربع مواضع اقتضت الحكمة أن يذكر فيها باسم "محمد" صلى الله عليه وسلم.
 الأول قوله عز وجل: "وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ"، لأن سبب إنزالها أن الشيطان صاح يوم احد قد قتل محمد وكان ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولو قال "وما رسولي" لقال الأعداء ليس هو محمد فذكره باسمه لأنهم كانوا لا ينكرون أن اسمه محمدا.
الثاني قوله عز وجل: "ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ".
الثالث قوله عز وجل: "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ 1 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ".
فلو قال "وآمنوا بما نزل على رسولي"، لقال الأعداء ليس هو فعرفه باسمه محمد صلى الله عليه وسلم.
الرابع قوله عز وجل: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، والحكمة في ذكره هنا باسمه أنه سبحانه وتعالى قال قبلها "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ".
فكان من الأعداء من يقول من هو رسوله الذي أرسله فعرفه باسمه فقال: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ".
كما سماه تعالى باسمه أحمد في موضع واحد وله حكمة وهي أن الله تعالى لما أرسل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال لقومه من بني إسرائيل: "وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ"، التي أنزلت على موسى "وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ"، لأنه كانوا يعرفونه في التوراة "أحمد".

 فما ناداه سبحانه وتعالى باسمه محمد ولا أحمد وإنما ذكر ذلك إعلامًا به وتعريفًا له وما ناداه إلا بالنبوة والرسالة فقال: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً".
وسراجًا منيًرا:
منيرًا أي شاهدًا بالإيمان للمؤمنين ومبشرا لأهل التمجيد ونذيرًا لأهل الجحود، وقيل: شاهدًا لأهل القرآن ومبشرا لهم بالغفران ونذيرًا لأهل الكفر والعصيان.
وقيل: شاهدًا لأمتك ومبشرًا بشفاعتك ونذيرًا لمن ارتكب مخالفتك. وقيل: شاهدًا بالمنة ومبشرا بالجنة.
 وقوله: "وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ"،  أي تدعو الناس بأمر الله تعالى إلى لا إله إلا الله، قال تعالى: "وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ".
وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه داعيا فقال: "أنا الداعي إلى الله".

 وقوله تعالى: "وَسِراجاً مُنِيراً" ، أي يهتدى به كما يهتدى بالسراج في ظلمة الليل.

فإن قلت: ما الحكمة في قوله تعالى وَسِراجاً مُنِيراً، ولم يقل قمرا منيرا.؟، فالجواب عن ذلك أن السراج أعم من القمر لأن المراد بالسراج هنا الشمس.

 قال تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً، والشمس أعم نفعا ونورا من القمر، وقيل: المراد بقوله تعالى وَسِراجاً مُنِيراً ، السراج الذي يقتبس منه لأن القمر لا تصل إليه الأيدي حتى يقتبسون منه.

 والسراج إذا كان في بلد يملأ ذلك البلد نوراً لأن كل من جاء يقتبس منه، والقمر ليس كذلك ولهذا كانت قبل ولادته صلى الله عليه وسلم ظلاما فلما ولد ظهر سراج دينه بمكة، فكان أول من اقتبس من الرجال أبو بكر.

 ومن النساء خديجة ومن الشباب علي ومن الموالي زيد ومن العبيد بلال رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

 وجاء سلمان من أرض فارس فاقتبس وصهيب من الروم وبلال من الحبشة، ووفد الوفود واقتبسوا، وأبو لهب إلى جانب البيت ولم يقتبس واقتبس الناس من مشارق الأرض ومغاربها حتى امتلأت الأرض من نور سراجه فهو صلى الله عليه وسلم أعظم الأنبياء وأكرم المرسلين وسيد الخلق أجمعين.

 لم يخلق الله أحسن ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أفصح ولا أرجح ولا أسمح ولا أصبح ولا أجل ولا أعظم ولا أسخى ولا أكرم ولا أبهى ولا أنصف ولا أعدل منه صلى الله عليه وسلم.

 فلو أن البحار مداد والنبات أقلام وجميع الخلق تكتب معجزاته صلى الله عليه وسلم لعجزوا عن وصف نزر النزر من معجزاته صلى الله عليه وسلم.

 اللهم اجعلنا من خالص أمته واحشرنا في زمرته وأمتنا على محبته ولا تخالف بنا عن ملته ولا عما جاء به برحمتك يا أرحم الراحمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.

اضافة تعليق