سيرة النبي في عيون أدباء العصر الحديث

الأحد، 25 نوفمبر 2018 02:00 م
سيرة النبي في عيون أدباء العصر الحديث



كشف تقرير ثقافي كيف تناول أدباء العصر الحديث، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأثروا بها المكتبة المصرية والعربية والإسلامية بإبداعاتهم حول حياة الرسول، من خلال التحليل الأدبى والعلمى والفلسفى العميق.


وقال التقرير المنشور على صحيفة "المصري اليوم" إن هؤلاء الأدباء كتبوا حياة الرسول بأسلوب كلاسيكى يغلب عليه أصالة الفصاحة العربية تارة، وبالكتابة الرشيقة الأنيقة التحليلية التفسيرية تارة أخرى، حيث لم تخل الطريقتان من تشويق وإمتاع ودرس وعظة، فجاءت فى سياق قصصى نثرى أو حوارى يخاطب الأفهام المعاصرة ويثير فهمها حول الغوص فى مزيد من أسرار الحكمة الإلهية.





وأشار التقرير لأبرز هذه الكتابات مثل كتاب "على هامش السيرة" لعميد الادب العربي طه حسين، الذي رأى أنه مهما بذل الكاتب مبلغ جهده، لن يستطيع أن يغوص إلى لب المعانى النبوية الكريمة العلوية السامية، ويقول طه حسين: «هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين لأنى لم أرد بها إلا العلم، ولم أقصد بها إلا التاريخ وإنما هى صورة عرضت لى أثناء قراءتى للسيرة فأثبتها مسرعاً ثم لم أر بنشرها بأساً ولعلى رأيت فى نشرها شيئاً من الخير".



وأضاف: "أحب أن يعلم الناس أيضاً أنى وسعت على نفسى فى القصص، ومنحتها من الحرية فى رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأساً، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبى، أو بنحو من أنحاء الدين، فإنى لم أبح لنفسى فى ذلك حرية ولا سعة، وإنما التزمت ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث، ورجال الرواية، وعلماء الدين".



كما أشار التقرير لكتاب «محمد رسول الحرية» للكاتب عبدالرحمن الشرقاوى، حيث كان الطابع الإنسانى البحت هو الذى يجمع خيوط الكتاب وفكرته العامة، فقد أراد مؤلفه أن يبرز المعنى الإنسانى للآية القرآنية الكريمة «إنما أنا بشر مثلكم» ويؤكده فى سياق سرده لمواقف الرسول، فى جوانب حياته كافة.



يقول الشرقاوى: «ما أحسب أن كتابا جديدا أكتبه، يمكن أن يضيف حقيقة جديدة إلى ما كتب فى السيرة، ولكنى أردت أن أصور قصة إنسان اتسع قلبه لآلام البشر ومشكلاتهم وأحلامهم وكونت تعاليمه حضارة زاهرة خصبة أغنت وجدان العالم كله لقرون طوال، ودفعت سلالات من الأحياء فى طريق التقدم، واكتشفت آفاقا من طبيعة الحياة والناس».



لكن الشرقاوى تعرض لسيل من النقد والاعتراض، لأن المعترضين ظنوا أنه ينكر الوحى، فضلا عن تأويل المعجزات النبوية وردها لأسباب مادية حسية، إلى الحد الذى تدخل فيه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وسأل الشيخ محمود شلتوت الإمام الأكبر وشيخ الأزهر عن طبيعة الكتاب ولماذا أثار هذه الضجة من الاعتراضات، فقال له إنه لا تثريب عليه»، ومن ثم سمح بنشره.



في حين جاء توفيق الحكيم بكتاب «محمد الرسول البشر» بطريقة حوارية مسرحية مقسمة إلى مشاهد ومناظر وفصول، دون تعقيبات وفواصل، حيث قدمها هو بنفسه قائلا: «المألوف فى كتب السيرة أن يكتبها الكاتب ساردا باسطا محللا معقبا مدافعا مفندا، غير أنى يوم فكرت فى وضع هذا الكتاب ألقيت على نفسى هذا السؤال: «إلى أى مدى تستطيع تلك الطريقة المألوفة أن تبرز لنا صورة بعيدة، إلى حد ما، عن تدخل الكاتب، صورة ما حدث بالفعل وما قيل بالفعل».



وأضاف الحكيم: «عندئذ خطر لى أن أضع السيرة على هذا النحو الغريب فعكفت على الكتب المعتمدة والأحاديث الموثوق بها، واستخلصت ما حدث بالفعل، وما قيل بالفعل وحاولت على قدر الطاقة أن أضع كل ذلك فى موضعه، كما وقع فى الأصل، وأن أجعل القارئ يتمثل كل ذلك كأنه واقع أمامه فى الحاضر، غير مبيح لأى فاصل، حتى الفاصل الزمنى أن يقف حائلا بين القارئ وبين الحوادث، وغير مجيز لنفسى التدخل بأى تعقيب أو تعليق، تاركا الوقائع التاريخية والأقوال الحقيقية ترسم بنفسها الصورة».



ولم ينس عملاق الأدب العربى عباس محمود العقاد أن يركز على الجانب العقلى فى معاملات النبى فى جميع مناحى الحياة الشخصية والاجتماعية والدينية فأطلق على كتابه اسم «عبقرية محمد».



ولم يتوقع العقاد أنها ستثير انتقادات مثل تلك التى قال بها الشيخ محمد متولى الشعراوى، الذى اعترض على اسم الكتاب، إذ كيف يوصف النبى المرسل بالعبقرية، وأين كانت هذه العبقرية قبل الرسالة، ثم إن الأمية كانت شرفا فيه وله لأنه نبى أمى يبعث له بخبر السماء عن طريق الوحى.



وأراد العقاد إبراز ملامح عبقرية النبى الإنسان الذى اصطفاه الله بظروف مختارة صَقلت شخصيته، وبقدرات إنسانية فذَّة مكنته من الاضطلاع بحمل الرسالة. الكتاب يتكلم عن النبى من عدة جوانب عبر سرد قصص والتعليق عليها ومقارنة قراراته بشخصيات تاريخية شهيرة من ناحية السياسة والحرب، وتعامله مع زوجاته، فتناول العبقرية فى الدعوة والعبقرية السياسية، والعبقرية العسكرية، والعبقرية الإدارية، والبلاغة والفصاحة، ومحمد الزوج، والأب، والسيد، والعابد، ومحمد فى التاريخ.



وكان من أهم أسباب كتابة هذا الكتاب الجانب الدفاعى ضد الافتراءات التى وجهت للرسول كتعدد الزوجات، والدعوة بالسيف.



وكان العقاد وأصدقاؤه يتحدثون خلال لقاء لهم فى ليلة المولد النبوى الشريف عن كتاب «الأبطال» للكاتب الإنجليزى توماس كارليل الذى تحدث أحد فصوله عن نبى الإسلام، وهو ما دفع العقاد للكتابة عن الرسول.



وقال العقاد: «إننا لنتذاكر آراء كارليل ومواضع ثنائه على النبى إذ بدرت من أحد الحاضرين الغرباء عن الرهط كلمة نابية، غضبنا لها، واستنكرناها لما فيها من سوء الأدب وسوء الذوق، وسوء الطوية».





وقارن العقاد بين عبقرية النبى والعبقريات البشرية الأخرى قائلا: «لو قارنا بين عبقرية محمد، وعبقرية غيره لوجدنا أن عبقرية غيره قد انحصرت فى جانب من الجوانب واتجاه من الاتجاهات، فهى ضيقة فى مدلولها، محدودة فى آفاقها، قاصرة عن عموم النفع، وشمول الإصلاح، أما عبقرية محمد، فقد برزت فى كل مناحى القيادة، والأخلاق، والدعوة، بل فى كل مناحى الحياة».



أما عبدالحميد جودة السحار، فقد كتب موسوعته الكبيرة «محمد والذين معه» وهى سلسلة كبيرة من عشرين جزءا من القطع الصغير، تتبع فيها ما سماه «التفسير الدينى للتاريخ» فى مقابل التفسير المادى الماركسى للتاريخ، أى عاد السحار إلى البدايات الأولى للوحى الإلهى للبشر المصطفين للرسالات السماوية، وما صاحبها من مذاهب أرضية ودينية وحضارات وممالك وإمبراطوريات ووثنيات وصراعات أخلاقية ودينية، وكيف جاءت الرسالة المحمدية لتؤكد سمو ما سبقها من التعاليم والقيم العالية التى أرستها الرسالات السماوية، وأضافت إليها، حيث أنه يؤكد مرارا وتكرارا أن الأنبياء والرسل وإن اختلفت شرائع الأقوام الذين أرسلوا إليهم إلا أن دينهم واحد، وإلههم واحد وهم بعثوا كسلسلة متعددة الحلقات، بدأت من أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حتى تدرجت إلى أن وصلت فى قمة ذروتها إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.





وهو المعنى ذاته الذى أكد عليه الكاتب أحمد بهجت فى مأثورته الرائعة «أنبياء الله»، والذى صور أحداثه فى أسلوب درامى حركى وكأنك تشاهد عملا فنيا ناطقا متكامل العناصر ومشاهد متتابعة ما يكاد الستار يسدل على أحدها حتى يرفع عن الآخر ليحظى القارئ بمادة بصرية أخاذة رغم أن مادتها من الحروف المكتوبة بين دفتى الكتاب، حيث يصور الكاتب أحمد بهجت هذا المعنى بقوله: «حين انطفأت شموع التوحيد فى مشارق الأرض ومغاربها، وأوشك الظلام الكثيف أن يطبق على العقل، ولم يعد هناك غير قلة قليلة من الغرباء الموحدين، شاءت رحمة الله تعالى أن تبعثه بآخر رسالات السماء إلى الأرض، ووسط كآبة الليل الموحش، جاء شمس الأنبياء، جاء استجابة لدعوة إبراهيم خليل الله، وجاء تصديقا لبشرى عيسى وروح الله وكلمته، يصلى عليه الله عز وجل رحمة وبركة، وتصلى عليه الملائكة ثناء واستغفارا، ويصلى عليه المؤمنون تكريما وتعظيما».



وركز الدكتور محمد حسين هيكل للناس فى كتابه «حياة محمد» على الأسلوب العلمى ليفترق تماما عن منهج من سبقوه فى كتابة السيرة النبوية، حيث حرص على تأييد آرائه فى سرد وتحقيق وتحليل الوقائع التاريخية قبل السيرة وفى مسارها نفسه بالأسانيد والبراهين، قائلا: «لست مع ذلك أحسب أنى أوفيت على الغاية من البحث فى حياة محمد صلى الله عليه وسلم، بل لعلى أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أنى بدأت هذا البحث على الطريقة الحديثة، مؤكدا أنه تبين أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبى العربى يتخذها الباحث منارا يهتدى به فى بحثه ويمحص على ضيائه ما ورد فى كتب السنة وما جاء فى كتب السيرة المختلفة».



وكتب محمد فريد وجدى السيرة النبوية على ضوء العلم والفلسفة، وركز فيها على الجوانب الاجتماعية للأفراد والجماعات، والظروف المحيطة بهم، وهو كتاب محبب إلى النفس، ولا يعيبه سوى لجوئه إلى الإيجاز أحيانا فى عرض السير والغزوات، ولكنه يتوقف أمام المواقف اللافتة ويحللها نفسيا واجتماعيا، ويناقشها من ناحية فلسفية وعلمية، يبدأ بالحديث عن النبوة والرسالة ويعرف كلا منهما، ويذكر أدلة صدق نبوة سيدنا محمد، ثم يستعرض بعض أحداث السنة النبوية منها هجرة الرسول، وغزوة بدر، وصلح الحديبية، وغزوة حنين.




اضافة تعليق