في هذه الدولة: النقاب للمرأة.. وأيضًا للفرسان

الأحد، 25 نوفمبر 2018 12:17 م
النقاب للمرأة.. وللفرسان في هذه الدولة


من المعروف، وبعيدًا عن الجدل الفقهي أن النقاب زي خاص بالنساء، وكان من لوازم العصور الأولى، لكن الأغرب أن النقاب- اللثام- أصبح زيًا رسميًا للرجال، بل للفرسان في دولة كاملة وصارت تعرف بدولة " الملثمين"، فما القصة، ومن هم الملثمون؟


أصل النشأة:

هم قبيلة من البربر، قيل إن أصولهم ترجع إلي اليمن ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء، ويسكنون الصحارى الجنوبية للمغرب، ومكانهم- مورتانيا حاليًا- وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من الشعر والوبر، وأول من جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك البلاد الفقيه عبد الله بن ياسين والذي قتل في أحد الحروب.

وقام مقامه أبو بكر بن عمر الصنهاجي الصحراوي، ومات في حرب السودان.

والملثمون قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وصارت عادة متبعة تورث، وذلك أن طائفة من لمتونة- قبيلة الملثمين-  خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك.

 وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعًا عظيمًا فظنه رجالاً، وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجًا عن حريمهم، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر.

ومن ذلك الوقت جعلوا اللثام عادة يلازمونها فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلاً ولا نهارًا.

وقد كان المرابطون يعيشون في قبيلة "لمتونة" وكانت تعاني القفر، حتى دخولها في الإسلام، ودخلوا في حروب حتي انتهى مجدهم السياسي مع أمير المرابطين "يوسف بن تاشفين" المعروف بالعدل، حيث شملت دولتهم الكبرى، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، سائر أنحاء المغرب حتي المحيط غربًا، وإلى السودان جنوبًا.

وهم الذين استجابوا إلى صريخ ملوك الطوائف، وعبروا البحر إلى شبه الجزيرة الإسبانية نصرة للإسلام وبنيه في المعركة الشهيرة المعروفة بالزلاقة.

وكانت قبيلة "لمتونة" تسكن منذ عصور بعيدة قبل الإسلام في قلب الصحراء، ما بين جنوبي المغرب والسودان، في تلك المنطقة التي كانت تسمى منذ أيام الرومان إقليم "موريتانيا".

 وكانت تؤثر حياة القفر على أية حياة أخرى وتبتعد عن العمران، وتستأنس بالانفراد، وكانوا يعتمدون في قوتهم على لحم الإبل ولبنها، ولا يعرفون حرثًا ولا ثمارًا، ولا يأكلون الخبز.

وكان شعارهم "اللثام" ومن ثم فقد عرفوا "بالملثمين"، حتى لا يبدو منه إلا محاجر عينيه، ولا يفارقون ذلك في حال من الأحوال، ولا يميز رجل من وليه ولا حميمه إلا إذا تنقب.

وكذلك في المعارك إذا قتل منهم القتيل، ونزل قناعه لم يعلم من هو حتى يعاد عليه القناع، وصار ذلك لهم ألزم من جلودهم، وهم يسمون من خالف زيهم هذا من جميع الناس "أفواه الذبّان" بلغتهم.

الأب الروحي للقبيلة:

كان عبد الله بن ياسين الأب الروحي للقبيلة، وكان فقيهًا شديد الورع، والغيرة على تعاليم الإسلام، وكان فوق ذلك خطيبًا موهوبًا قوي التأثير، فأخذ يبث تعاليم الدين بين أولئك البدو، ويبصرهم بأحكام الإسلام، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

ولما طالبهم بالإقلاع عن تقاليدهم المنافية للإسلام مثل الزواج بأكثر من أربع، وكان من الأمور الشائعة بينهم، وغير ذلك من التقاليد المغرقة، فأخذوا ينصرفون عنه، ويعرضون عن تعاليمه، لما رأوا من صرامته، وما تكبدهم تعاليمه من المشقة والضيق.

وعندئذ عزم على ترك البدو الجهلة، والانقطاع إلى العبادة والزهد، في أحد المواضع النائية، هو ومجموعة من أصحابه، كان فيما يرجح جزيرة تقع في منحنى نهر "النيجر" على مقربة من "تنبكتو".

وقام ببناء رابطة للصلاة والعبادة، وما لبث أن اشتهر أمره، ووفد عليه كثير من أشراف صنهاجة - القبيلة الأم- ممن آثروا الزهد والعبادة، فعكف عبد الله على تثقيفهم ووعظهم، وسماهم "بالمرابطين" للزومهم رابطته، وأخذ يعلمهم أحكام الكتاب والسنة والصلاة والزكاة، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويشوقهم إلى الجنة، ويحذرهم عذاب النار، ويلهب حماستهم للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة المخالفين لأحكام كتابه.

وعندما بلغ تلاميذه الألف وأوقن بولائهم، وانقيادهم لأوامره، حتى دعاهم إلى الجهاد بصورة عملية، وبعثهم إلى أقوامهم، لينذروهم، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات، واتباع أحكام الدين الصحيح، ففعلوا ما أمروا به.

ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى، ومجانبة التقاليد المنافية للدين، فلم يصغ لهم أحد من أقوامهم، فخرج إليهم عبد الله ابن ياسين بنفسه، واستدعى أشياخ القبائل ووعظهم، وحذرهم عقاب الله، ونصحهم باتباع أحكامه، فلم يلق منهم سوى الإعراض والتحدي، فعندئذ قرر وصحبه إعلان الحرب على أولئك المخالفين، وكان أصحابه يزداد عددهم كل يوم، حتى بلغوا بضعة آلاف.

وخرج لقتال القبائل المعارضة ، فغزاهم في نحو ثلاثة آلاف، وقتل منهم خلقاً كثيرًا، وأسلم الباقون من جديد إسلامًا صحيحًا، وذلك في منتصف القرن الخامس الهجري، ثم سار لقتال لمتونة، وضيق عليهم حتى أذعنوا للطاعة، وبايعوه على الكتاب والسنة.

وبعد مقتله، ترأس أحد وجهاء لمتونة وهو الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني، ثم بعد استشهاده، آل الأمر إلى يوسف بن تاشفين، الذي وصلت معه القبيلة إلى الدولة الحقيقي، وذروة المجد السياسي، حيث كان يحكم قرابة ثلث أفريقيا، بالإضافة إلى بلاد الأندلس.

اضافة تعليق