تتمنى أن يكون أولادك في أعلى المراتب..هل تفعل ذلك؟

الخميس، 22 نوفمبر 2018 02:01 م
تتمني أن يكون أولادك في أعلي المراتب..هل تفعل ذلك؟


الرد السريع الحسن يعكس سرعة البديهة واستنفار العقل، وجمال اللفظ، وكمال الأدب، لذلك كان الخلفاء والأمراء يحرصون على تربية أولادهم تربية خاصة، وأن يكون لهم مؤدب خاص يعلمهم جمال الألفاظ وحسن استخراجها، ومواقع النطق بها.


ومن الأمثلة والنماذج على حسن التربية، ومعرفة أساليب الذوق وحسن الرد ما ترويه كتب التاريخ حول ما حدث مع أولاد الخليفة المأمون وأستاذهم في النحو العلامة الشهير" الفراء".

كان المأمون قد وكل الفراء لتعليم ابنيه النحو، فلما كان يومًا أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فسارع ولدا المأمون إلى "حذاء" معلمهما يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردًا فقدماها.

 وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء فاستدعاه.

فلما دخل عليه، قال: من أعز الناس قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فردًا من الحذاء.

قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعةٍ حرصا عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ركابيهما، حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما، وأنت أسن منهما فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل.

فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لومًا وعتبًا وألزمتك نبًا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم، وقد عوضتهما بما  فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.

وقد كانت مثل هذه التربية تخرج ألوانًا من الفراسة وحسن الرد، ومن جميل ذلك: أن الرشيد رأى في داره "حزمة خيزران"، وكانت أم الرشيد تسمي " خيزران"، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال "عروق الرماح" يا أمير المؤمنين، ولم يقل "الخيزران" لموافقة اسم أمه.


وسأل بعض الخلفاء ولده - وفي يده سواك - ما جمع هذا؟ قال: محاسنك يا أمير المؤمنين، وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ، لأن السواك أو المسواك يجمع على مساويك وهي شيء قبيح، فقال له محاسنك ولم يقل له "مساويك".


ومن جمال اللفظ والسؤال عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خرج بالمدينة ليلاً، فرأى نارًا موقدة في خيمة، فوقف وقال: " يا أهل الضوء"، وكره أن يقول: يا أهل النار.

وسأل رجلاً عن شيء: "هل وقع هذا الشيء"، قال: لا أطال الله بقاءك، فقال: "قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟".

ومن جميل الألفاظ أن العباس عم النبي صلي الله عليه وسلم سئل: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله.

وكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة.

ومن ألطف ما يحكى في ذلك: أن بعض الخلفاء سأل رجلاً عن اسمه؟ فقال: سعد يا أمير المؤمنين فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد لتخبية لسرك، فأعجبه ذلك.

 ويشبه هذا: أن معن بن زائدة – من وجهاء الأمراء في زمن الدولة العباسية- دخل على الخليفة أبي جعفر المنصور، فقارب في خطواته في المشي، فقال له المنصور: كبرت يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين.

 قال: إنك لجَلَد- صبور-  قال: على أعدائك، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك.

وأصل هذا الباب: قوله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم". فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضا بغير التي هي أحسن، فرب حرب وقودها جثث ورؤوس، بسبب القبيح من الكلام.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَت نفسي» وخبثت ولقست وغثت متقاربة المعنى.

فكره الرسول لفظ "الخبث" لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق، وإرشادا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال.

اضافة تعليق