هل يجوز أن تتلو المرأة القرآن أمام الرجال؟

الخميس، 22 نوفمبر 2018 10:34 ص
1143696-55224513


قالت دار الإفتاء المصرية، إن قراءة المرأة القرآنَ الكريم بحضرة الرجال الأجانب، "تجوز مع الكراهة؛ لأن شؤون النساء مبنية على الستر، وشأنها الإسرار في العبادات؛ كالأذان، والفتح على الإمام، والتلبية في النسك، ونحوها".

في الوقت الذي أباحت فيه تسجيل المرأة للقرآن ونشره على العامة، لأن "المسموع حينئذٍ ليس هو عين صوتها، بل هو حكايته ومثاله، أشبه صدى الصوت".

وأوضحت أن "صوت المرأة في حد ذاته ليس بعورة، وإنما الممنوع أداءً واستماعًا هو ما يخشى معه من الفتنة كما قال تعالى: ﴿فلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]، والخضوع بالقول: تليينه وترقيقه عند مخاطبة الرجال.

ودللت بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، من بينها "غَلَبَنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا، لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن..."، لتؤكد من خلاله أن "صوت المرأة لو كان عورة ما سمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما أقر أصحابَه على سماعه".

وأشارت إلى أن بعض من صرح بأن صوت المرأة عورة من الفقهاء ليس المراد "الصوت في نفسه، بل إذا صحبه تكسر وتدلل وتمطيط من شأنه تحريك الشهوات وحصول الافتتان".

ومن ذلك ما قاله الإمام أبو العباس القرطبي في كتابه في السماع: "ولا يظن من لا فطنة عنده أنا إذا قلنا: (صوت المرأة عورة) أنا نريد بذلك كلامها؛ لأن ذلك ليس بصحيح, فإنا نجيز الكلام مع النساء للأجانب، ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك, ولا نجيز لهن رفع أصواتهن، ولا تمطيطها، ولا تليينها، وتقطيعها؛ لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن، وتحريك الشهوات منهم".

وأكدت "دار الإفتاء"، أن "مجرد قراءتها (أي المرأة) القرآن بصوت مسموع أمام الرجال الأجانب فجائزة؛ لأنها من جنس الكلام، وقد تقدم دليل جواز سماع صوت المرأة، وأنه ليس بعورة".

وأشارت إلى أن "في خصوص قراءتها القرآن الكريم على هذا الوجه: قد روى أبو داود عن يعلى بن مَمْلَك رضى الله عنهم أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصلاته، فقالت: "وما لكم وصلاته؟ كان يصلي وينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى، حتى يصبح"، ونعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءته حرفًا حرفًا".

كما روى أبو داود أيضًا بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي أراد الزواج: «مَا تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ؟» قَالَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، أَوِ الَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرينَ آيَةً، وَهِيَ امْرَأَتُكَ».

وقالت إن "الاستدلال بهذا الحديث يتجه بحمل معناه على أن التزويج فيه كان معَلَّقًا على التعليم -وهو يحتمله-، فيكون هذا أمرًا مطلقًا بالتعليم، يَعُمُّ صوره وكيفياته، والتي منها: أن تقرأ وهو يسمع".

لكنها أشارت إلى أن "قراءة القرآن قد تزيد شيئًا على مجرد القراءة، وهو التغني به أمام الأجانب، وهذا لا ينافي أصل الجواز أيضًا؛ وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا".

وقالت إنه "إذا جاز تغنيها بغير القرآن أمام الأجانب، فتغنيها بالقرآن أولى بالجواز؛ لأنه مطلوب شرعي؛ بدليل ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ».

وأوضحت أن "الفتنة في سماع صوت المرأة بالقرآن أبعد منها في سماع صوتها بالغناء، فإذا جاز السماع في الأقرب للفتنة كان في الأبعد أولى بالجواز".

ومع ذلك، أكدت أن "جهرها بالقراءة على الوجه المذكور دون حاجة وإن قلنا بجوازه إلا أنه مكروه شرعًا؛ وذلك لأمرين:

الأول: أن المتتبع لنصوص الشريعة وأحكامها الجزئية يجد أن شؤون النساء مبناها فيها على الستر، وأن الشأن هو الإسرار فيما يتعلق بالمرأة من عبادات: كالأذان، والفتح على الإمام، والتلبية في النسك، وإمامة الرجال.

الثاني: مراعاة لخلاف من منع ذلك من العلماء حيث ذهب إلى ذلك بعض الحنفية؛ فقد نقل الكمال بن الهُمام في "فتح القدير" (1/ 260، ط. دار الفكر) عن صاحب "النوازل" من الحنفية أنه قد صرح بأن نغمة المرأة عورة، وأنه بنى عليه أن تعلمها القرآن من المرأة أفضل من الرجل الأعمى.

قال ابن الهُمام: "وعلى هذا لو قيل: إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت، كان متجهًا، ولذا منعها صلى الله عليه وآله وسلم من التسبيح بالصوت لإعلام الإمام لسهوه إلى التصفيق" اهـ.

وخلصت إلى أنه إذا تقرر أن "الخروج من الخلاف مستحب" فإن ارتكاب ضده يكون مكروهًا أو خلاف الأولى؛ إذ المستحب مأمور به، والأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه. 

وقد صرح بالكراهة جماعة من أئمة الشافعية؛ وذكرت أن "من نص منهم على الجواز أو نفي الحرمة، فيجمع بين قوله هذا وبين النصوص المصرحة بالكراهة بأنه يجوز المجامعة بين الكراهة للجواز أو نفي الحرمة، ولا تناقض أو تنافي؛ لأن المكروه مأذون فيه في الجملة".

غير أنها قالت إن تلك الكراهة تزول وتنتفي بمطلق الحاجة؛ كالتعلم، وعرض القراءة على الشيوخ، ونحو هذا؛ قال العلامة السَّفاريني في "غذاء الألباب": "والقاعدة: زوال الكراهة بأدنى حاجة، فكيف بالمصلحة الراجحة؟".

وذكرت أن "الممنوع أداءً واستماعًا هو القراءة المصحوبة بأداء يخشى معه من الفتنة؛ لأنه سيكون حينئذٍ من باب الخضوع بالقول، المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿فلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]. وعرفت الخضوع بالقول بأنه "تليينه وترقيقه عند مخاطبة الرجال". 

اضافة تعليق