د. عمرو خالد يكتب: في ذكرى مولده.. النبي يجمع ولا يفرق

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018 03:03 م
اسليدر-د-عمرو


عندما نتحدث عن نسب النبي صلى الله عليه وسلم، نقف على دلالات وحقائق مهمة، أبرزها أنه يجمع ولا يفرق، حتى قبل أن يولد، فهو يجمع في نسبه الكريم ما يؤكد تلك الحقيقة، أبًا عن جد، وصولاً إلى جده الأعظم أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، في تسلسل عائلي يعكس التكوين الرباني لتأهيل النبي ليكون رحمة للعالمين.


إنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم.

وقصي هو جد النبي الذي جمع قريش، بعد أن كانت قبائل متفرقة يسود بينها النزاع والتفرقة، وجده سيدنا إسماعيل هو أبوالعرب، الذي جمع قبائل الجزيرة، وكأنه يقول للعرب: جدي من جمعكم، فكيف بي أن أفرقكم.

نسبه إلى جده الأكبر إبراهيم، أبو الأنبياء موسى وعيسى وسليمان ويوسف ويعقوب، ليكون بذلك أخًا لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وكأنه بنسبه هذا يقول: كيف أحمل الغل والكراهية لأتباع الأديان الأخرى، فهو يحمل رسالة رحمة وتعايش معهم.

ومن دلالات نسبه الشريف، أن نسبه إلى قريش، ليجمع قريش، وإلى سيدنا إسماعيل، ليجمع العرب، وإلى سيدنا إبراهيم، ليرحم ويتعايش مع الأديان الأخرى وأتباع الأنبياء الأخرى، وهذا مدخل للتعايش العالمي بين أتباع كل الأديان، وهذا يعني أن نسب النبي كان مؤهلاً له ليكون رحمة للعالمين، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".

"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"، يتضح ذلك عندما نعلم أن جد النبي الأكبر (سيدنا إبراهيم) كان مولده في العراق، وعاش في فلسطين والشام، وابنه (سيدنا إسماعيل) عاش في الجزيرة العربية، وأمه (السيدة هاجر) مصرية، و(سيدنا إسماعيل) كان متزوجًا من اليمن، وأخوال النبي عاشوا في المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب، فكان قوله تعالى "رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ"، حقًا وصدقًا.  
النبي منتسب من ناحية أمه للسيدة آمنة بنت وهب، وهي من عائلة منقسمة إلى نصفين، نصف في مكة من بني زهرة، ونصف في المدينة من بني النجار، وكأنها إشارة إلى ما ستكون عليه حياة النبي لاحقًا (مكية – مدنية)، ودلالة على أنه ليس بمعزل عن الناس، بل هو من بينهم، وإنما جاء برسالته من أجل أن يجمعهم.

نسب النبي أوسع بكثير من أن يقتصر على عائلته التي ينتمي إليها، الانتساب إلى الله، وهو أول من تجد لديه بوضوح فكرة الانتساب بالعبودية.. محمد عبد الله ورسوله.

فهو يتشرف بالانتساب إلى العبودية إلى الله الواحد الأحد، "إن الله خيرني بين أن أكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاخترت أن أكون عبدًا نبيًا"، ودائمًا ما تجد في القرآن كلمة عبده.. منتسبًا إلى الله "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ"، "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى"، حتى اسم النبي وأبيه يحمل معنى العبودية (محمد بن عبدالله).

وقد علمنا النبي كيف نغرس فينا هذا المعنى، "إن الله ينادي يوم القيامة يا بني آدم جعلت لكم نسبًا وجعلتم لأنفسكم نسبًا، فقلت إن أكرمكم عند الله اتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان بن فلان، فاليوم ارفع نسبي واضع نسبكم أين المتقين".. المتقون هم من يعاملون الناس طوال الوقت بكل ود واحترام، وليس صلاة وصومًا فحسب، وكل من يعامل الناس معاملة جيدة يندرج تحت معنى المتقين.

والنبي يعمق فينا فكرة الانتساب إلى الله، فيقول: "أنا جد كل تقي"، إذ ليس شرطًا أن تكون من نسل النبي من الأشراف يوم القيامة، حتى تحظى بهذا الشرف، فنسب النبي ممتد إلى يوم القيامة.

كما أن هناك مفهومًا آخر للنسب جاء به النبي، فقد جاء ليوسع مفهوم النسب من مفهوم العائلة الصغيرة ليمتدد للإنسانية كلها، فالنبي منتم للإنسانية: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، للوهلة الأولى تظن أن النبي يتفاخر، لكن هناك بعدًا آخر في المسألة، هو قمة الانتماء للإنسانية.

وتلمس هذا أكثر حين تعلم أن اليهود حاولوا قتل النبي 3مرات، إلا أنه لم يمر أسبوع على تعرضه لمحاولة لقتله، حتى رأى جنازة يهودي فوقف احترامًا لها، فقال الصحابة: يا رسول الله إنه يهودي (أي من حاولوا قتلك)، فقال: أليست نفسًا، وهذا معنى الانتماء للإنسانية، أما المتشددين فيتعبدون إلى الله بكراهية غير المسلمين، ثم يكرهون غير المتدينين من المسلمين، انتهاءً لكراهية كل من يخالفهم في أفكارهم، بينما سنة النبي تقتضي منك أن تكون رحيمًا بالإنسانية كلها.

أيضًا هناك النسب الأخلاقي، المتمثل في قوله تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" فلأول مرة أفهم أن تنتسب الرحمة العالمية لإنسان الرحمة العالمية (رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فكل رحيم منتسب إليه، وكل إنسان قاس عنيف متشدد، لا يحظى بشرف الانتماء إليه، كلما تجملت بأخلاقك، كلما اقتربت من النبي: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا".

كلما حسنت أخلاقك فأنت بذلك قريب من النبي، وهو الذي قال الله عنه في القرآن "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وهو الهدف الأسمى من رسالة الإسلام، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولا عجب فالنبي في نسبه يمتد إلى سيدنا إسماعيل، والذي كان شديد البر بأبيه وأمه، لذا فكلما كنت قريبًا من أبويك، كنت قريبًا من صفاته، متشبهًا بأخلاقه.

وإذا كان النبي يسكن قلوب محبيه، ويجمع ولايفرق بينهم، كما يظهر من نسبه الشريف، فأولى بك أن تسير على نهجه، بألا تنعزل عن الآخرين، ولاتسمع إلى تفسير المتشددين المنقوص لحديث النبي "بدأ الإسلام غريبًا ويعود غريبًا فطوبي للغرباء" وتنعزل عن مجتمعك كما يدّعون قائلين: نحن متعالين بالإيمان، فلو أكملت بقية الحديث، لفهمت المعنى المقصود من كلامه: قال ومن هم الغرباء يا رسول الله.. قال الذين يصلحون حين يفسد الناس"، يعني الذين يجمعون الناس حين يرونهم متفرقين، ويصلحون بينهم فلايكون هناك فساد.

لا تدع لسانك ينطق إلا خيرًا "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، صل رحمك، بر أبويك، صالح أقرباءك، فنبيك يجمع ولا يفرق حتى من قبل أن يولد؟، فامض على خطاه، وسر على هديه وسنته، وتذكر في ذكرى مولده كل خلق طيب دعا إليه وافعله، وكل سلوك نهى عنه وتجنبه.

اضافة تعليق