من كعب إلى البوصيري وأحمد شوقي

قصة بردة النبي الشريفة التي ألهمت المبدعين في مدحه

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018 02:36 م
قصة بردة النبي الشريفة التي ألهمت المبدعين في مدحه





برزت قصائد عدة في أدب النبوة مدحا وتعظيما لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولعل أبرز تلك القصائد ما عرف بقصائد "البردة" وهي بردة كعب بن زهير، وبردة الإمام البوصيري، ونهج البردة لأحمد شوقي.



والقصائد الثلاثة من أشهر ما قيل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها تنطلق من التعظيم والتكريم لبردة الرسول صلوات الله عليه وسلامه، التي خلعها على أول هؤلاء الشعراء، وهو كعب بن زهير.



وقد تناول كثير من الشعراء موضوع مدح الرسول صلّى الله عليه وسلّم ورددت الألسنة مدائحهم وبخاصة في حلقات الذكر كلما حلت مناسبة دينية وما أكثرها.



وحظيت القصائد الثلاث التي نظمها الشعراء كعب بن زهير والإمام البوصيري وأحمد شوقي بمكانة طيبة بين قصائد المدح للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد جمع بين هذه القصائد خط فكري يكاد يكون واحدا انطلق من التسمية التي صارت علما عليها، فقد عرفت قصيدة كعب بالبردة، ومن بعده كانت بردة البوصيري، ثم جاءت نهج البردة لأمير الشعراء تيمنا ببردة الرسول عليه الصلاة والسلام.



معنى البردة



قطعة طولية من القماش الصوفي السميك الذي يستعمله الناس لستر أجسامهم أثناء النهار كما تتخذ غطاء في أثناء الليل وكانت البردة معروفة عند البدو ومن أشهرها برود اليمن  .



وكان هذا النوع من اللباس معروفا في الأندلس ويبدو أن البرد معروف عند فلاحي مصر  .



وعن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبسه (الحبرة)، وهي الحبرة بكسر الحاء وفتح الباء: وهي ضرب من نوع برود اليمن تتخذ من كتان أو قطن محبرة، أي مزينة «التحبير هو التزيين والتحسين» ..



وعن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة ببردة قالت: هل تدرون ما البردة؟ قال سهل: نعم.. هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها الرسول صلّى الله عليه وسلّم محتاجا إليها.



وعن أنس بن مالك «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان شاكيا فخرج وهو يتكئ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قطري قد توشح به فصلى بهم وذلك نوع من البرود» .



قصة البردة



حينما جاء الشاعر كعب بن زهير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد هجاه قبل مجيئه وهو مازال على كفره، فطلب من النبي أن يسامحه، بعدما جاءه مسلماً ومتخفياً بعد أن أهدر دمه النبي صلى الله عليه وسلم.



فأنشد كعب بن زهير قصيدته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مطلعها يقول:



بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ              مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا             إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبِرَةً                 لا يُشْتَكى قِصَرٌ مِنها ولا طُولُ

تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ                  كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ



حتى قال في مدح النبي



أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني               والعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ

وقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِراً               والعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبولُ

مَهْلاً هَداكَ الذي أَعْطاكَ نافِلَةَ             الْقُرْآنِ فيها مَواعيظٌ وتَفُصيلُ

لا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوالِ الوُشاة ولَمْ              أُذْنِبْ وقَدْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاويلُ

لَقَدْ أقْومُ مَقاماً لو يَقومُ بِه                   أرَى وأَسْمَعُ ما لم يَسْمَعِ الفيلُ

لَظَلَّ يِرْعُدُ إلاَّ أنْ يكونَ لَهُ مِنَ             الَّرسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْويلُ

إنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ             مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ

في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ              بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا

زالُوا فمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ          عِنْدَ الِّلقاءِ ولا مِيلٌ مَعازيلُ

شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمْ                مِنْ نَسْجِ دَأوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ

بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ            كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدولُ

يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ    ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ

لا يَفْرَحونَ إذا نَالتْ رِماحُهُمُ              قَوْماً ولَيْسوا مَجازِيعاً إذا نِيلُوا

لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحورِهِمُ              وما لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ





أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بالقصيدة، فكسى كعب بن زهير بردته وسامحه.



اشترى معاوية بن أبي سفيان البردة من ولد كعب، وكان الخلفاء يلبسونها في الأعياد، واحتفظ بها الخلفاء العباسيون، إلى أن احتل المغول بغداد ونهبوها، فأحرقوا البردة، ويقال أنها لم تحرق ولم تزل موجودة باسطنبول.





بردة البوصيري



في القرن السابع الهجري، الحادي عشر الميلادي، كان يعيش مداح وصوفي يقرض الشعر في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، يدعى محمد بن سعيد البوصيري، نسبة إلى بلدته أبو صير، بين الفيوم وبني سويف، بمصر، لأسرة ترجع جذورها إلى قبيلة “صنهاجة”، إحدى قبائل البربر، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة حيث تلقى علوم العربية والأدب.



البوصيري، أصابه شلل نصفي، ففكر في إنشاد قصيدة، يستشفع بها إلى الله في أن يعافيه، وكرر إنشادها، وأكثر من دعاه، وتوسلاته، وذات ليلة نام البوصيري، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، يمسح على وجهه بيده المباركة، وألقى عليّه بردة، ليستيقظ البوصيري فيجد نفسه قد برؤ من الشلل، وعاد إلى الحركة، وهذا هو السبب الرئيس لتسمية قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وطلب شفاعته لشفاء سقم جسده بالبردة، وتسمى أيضاً بالميمية لأن آخر قافيتها حرف الميم والقصيدة اسمها الكواكب الدرية في مدح خير البرية.



ويقول البوصيري في قصيدته:





محمد سيد الكونين والثقليـ                  ـن والفريقين من عرب ومن عجمِ

نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ                 أبر في قولِ لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته           لكل هولٍ من الأهوال مقتحم

دعا إلى الله فالمستمسكون به              مستمسكون بحبلٍ غير منفصم

فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ               غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ

وواقفون لديه عند حدهم                    من نقطة العلم أو من شكلة الحكم

فهوالذي تم معناه وصورته                ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم

منزهٌ عن شريكٍ في محاسنه              فجوهر الحسن فيه غير منقسم

دع ما ادعته النصارى في نبيهم          واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف      وانسب إلى قدره ماشئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له              حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم



وألهمت البردة الكثيرين من الشعراء والأدباء والعوام على مر العصور، وأشهر من نهج على نهج البوصيري هو أمير الشعراء أحمد شوقي، وجاء في مطلعها:



ريم على القاع بين البان والعلم                        أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

رمى القضاء بعيني جؤذر اسدا                       يا ساكن القاع ادرك ساكن الاجم

لما رنا حدثتني النفس قائلة:               يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي

جحدتها وكتمت السهم في كبدي                      جرح الاحبة عندي غير ذي الم

رزقت اسمح ما في الناس من خلق                   اذا رزقت التماس العذر في الشيم

يا لائمي في هواه والهوى قدر                        لو شفك الوجد لم تعذل ولم تل





ومن هذا المفهوم المعنى المعارض نقول: إن شوقي في ميميته نهج طريق البوصيري أي سلكه وعارض ميميته الميمونة مقتفيا نفس الطريق، ملتزما بنفس الموضوعات التي طرقها البوصيري في القصيدة مترنما متغنيا بالرسول خلقا وخلقا ومترفقا بحال المسلمين سلوكا وعملا، ومتشفعا بسيد البشر من ذنبه تزلفا وضعفا وواصفا لأخلاق الرسول الكريم وعلو مقامه عند الله وعند البشر أجمعين تكبيرا وتعظيما.



وقد حظيت البردة بمكانة لم تصل إليها أي قصيدة سواها وبخاصة عند أهل التصوف وشطرت وخمست وسبعت، وإذا كان مقياس خلود العمل الأدبي هو الاهتمام من الناس والانتشار فإن البردة نالت الخلود والشهرة في العالم الإسلامي واحتلت مكانة أدبية فريدة في الأدب العربي وفي الاداب العالمية فترجمت إلى عدة لغات كالفرنسية والألمانية والانجليزية، بالاضافة إلى معرفة الفئات المسلمة لها في الهند وباكستان وإيران وغيرها، وتأثر الكثير من شعراء هذه الدول بقصيدة البردة.



 ويعتبر الشعراء المداحون لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن البردة كالدستور للشعر والشعراء فقد نسج على منوالها كثير من الشعراء وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه جديد في مدح النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنه لم يكن بالصورة التي كانت عليها بردة البوصيري وقد سارع كثير من الأدباء والنقاد إلى شرح البردة، كما لقيت هذه القصيدة من الاهتمام والدراسة والبحث والمقارنة والمعارضة والتنقيب في أغوارها للوصول إلى نفسية وروحانية الشاعر الشيء الكثير.

اضافة تعليق