سلام عليك‮.. ‬ونحن في الطريق إليك‬‬‬

بقلم د.عبدالحليم عويس (رحمه الله) الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018 01:43 م
3wees

في كل يوم نرسل إليك- بألسنتنا- السلام ورحمة الله وبركاته..

كما لا يجاوز القرآن حناجر أكثرنا.. كذلك لا يجاوز ذكرك الحناجر.. وكلما ذكر اسمك ارتفعت أصواتنا- بينما عقولنا شاردة- بالصلاة والسلام عليك..

إننا نعترف.. بأنك أصبحت بعيدًا عن قلوبنا ووعينا.. لقد جَذَبَتنا المادية إليها، فأصبحنا ندور في فلكها.. وحتي في صلاتنا وحجّنا.. تكون أقوالنا وحركاتنا في واد.. وقلوبنا وعقولنا في واد آخر..

ولعدة قرون- وهي فترة غيبوبتنا عن حقائق ديننا وهبوطنا إلى درك التخلف والهزيمة النفسية- كنا هكذا منشطرين على أنفسنا، فكلامنا وأفعالنا في طريق.. وعقولنا وقلوبنا.. بعيدة عنك وعن كتاب ربنا.. في طريق آخر..

لقد تركنا طريقتك.. وهجرنا سنَّتك.. وأصبح الاحتفال بمولدك ليس صيامًا وعبادةً وحياةً مع سيرتك.. كما كُنتَ تحتفل في كل أسبوع حين تصوم كل يوم اثنين؛ لأنه اليوم الذي ولدتَ فيه.. بل أصبح تهريجًا يغلب عليه الفسق والقبائح، وتضيع منه معانيك العظيمة وأنوارك الطاهرة.. وتغلب العادة فيه على العبادة.. ونأكل الحلوى الموروثة من أيام الباطنية الفاطميين.. الذين استبدلوا بالإسلام الصحيح الطعامَ المليح، واستبدلوا بالمضامين والحقائق الأشكالَ والمبتدعات.. حتي تاه وعينا.. فأصبحنا أضحوكة الناس، وانفصلنا عن فقه القرآن والسنة والإجماع والقياس..

فيا معلم البشرية.. يا صاحب السيرة النبوية.. الواقعية المثالية.. يا قرآنًا يمشي على الأرض.. نقدم المعذرة إليك، والتوبة بين يدي ربّ العالمين.. فإننا نصحو.. ونجفف منابع الذين بدّلوا وغيّروا.. وزعموا أنهم يحبونك، ويحبون آل بيتك.. لكنهم في الحقيقة ما أحبوك.. فلو أحبوك ما تقربوا إلي الله بنبذ كلامك ورفض وصيتك وتكذيب أحاديثك.. حين قلت للناس: "الله الله في أصحابي.. لا تجعلوهم غرضًا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم".. لكنهم- يا طاهر اللسان ويا نقيّ السريرة- لم يبغضوهم فحسب، بل تقربوا إلى الله بسبّهم ولعنهم.. مع أنك نهيْتَ الأمة.. وكل مؤمن.. عن اللعن والسباب وفاحش القول، لكنهم- فداك أبي وأمي- يفعلون هذا مع أشرف الخلق.. مع الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.. مع المبشَّرين- منك- بالجنة؛ لأن الله أوحى لك بهذا.. مع أهل بدر- الذين قلت فيهم: "لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم".. مع صحابتك الأبرار الذين قال الله فيهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح: 29).

فهنا.. في وسطنا.. مضيّعون للسنّة.. متفانون في البدعة.. وهناك كارهون لك في الحقيقة يؤذونك كل يوم بسبّ أصحابك.. وهناك على البعد في بلاد الكفار (وليس بعد الكفر ذنب).. في الفاتيكان، والدانمارك، وهولندا، وبريطانيا، وفرنسا، وغيرها.. من جعلوك هدفًا لسخائم نفوسهم وانحطاط أخلاقهم- مع أنهم لو كانوا أحرارًا حقًّا كما يدَّعون- لحاولوا إنكار (الهولوكست)- وهي أسطورة صهيونية (كما سماها جارودي) أو لمسّوا عقائد اليهودية في التوراة المزعومة، وعقائد المسيحية في الإنجيل المحرف- مع رفضنا الإساءة للأنبياء جميعًا- لكن قوانين الحرية عندهم تحمي كل العقائد من سفاهة السفهاء إلا الإسلام ونبي الإسلام..!


لكننا- مع كل ذلك- نعيش عصر مبشِّرات الإسلام عبر العالم.. فالعالم الذي اشتدّت عليه وطأة حمل الأكاذيب والتزويرات والمعايير المزدوجة، يوشك أن يتخلص من أجنَّته المشوّهة، ومن آثار دعارته الفكرية والأخلاقية.. ويعود إلى الطهر والعفاف.. ومرفأ الأمان والإيمان..

ونحن نبذل جهدنا لنصل- معهم- إليك.. لتسعد بنا ونسعد بك..

فنحن الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا.. إننا الذين ستسقيهم على الحوض (إن شاء الله).. يوم تعزّ شربة الماء.. إننا نُحسن الظن بربنا.. ونؤمن بأننا ما دمنا على سنتّك.. نتعبّد بسيرتك.. ونتأسى بخطواتك.. فأنت تفسيرنا للقرآن.. وأنت فقهنا.. وعقلنا وقلبنا..

إننا عائدون إليك- يا حبيبنا.. يا إمام المتقين.. بكل وجداننا.. لقد اشتقنا إليك.. ولقد أتْعَبنا المسير بعيدًا عن هدي ربنا.. هديك..

فافْتح ذراعيك- يا رحمة الله للعالمين.. يا من حنوت على الحيوانات والجمادات.. وربتَّ بيديك الشريفتين على الجذع الذي حنَّ وأنَّ... فالتقطت أشعتك القلبية حنينه وأنينه.. فَرَبتَّ عليه حتى سكن.. وسكت.. فاستقبِلنا.. كما استقبلت الجمل الذي جاءك حزينًا يشكو ظلم صاحبه، وكما استقبلت الجذع الذي بكى.. فسمع قلبك بكاءه حين تركت الصعود للخطبة عليه وارتقيت المنبر.. استقبِلنا.. فنحن أحوج إلى شفاعتك وحبك.. أكثر من الجمل وجذع النخلة.. وسل الله لنا المغفرة واستغفر لنا ليغفر الله لنا..

وقريبًا سنلتقي بك.. بسنَّتك.. بقلوبنا وعقولنا وليس بألسنتنا وحركاتنا!!

وسلام الله عليك.. في الأولين.. وفي الآخرين.. وإلى يوم الدين..

اضافة تعليق