"وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ".. لماذا ذكر القرآن فعله ولم يذكر اسمه؟

الأحد، 18 نوفمبر 2018 03:27 م
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى

قال الله تعالى في سورة يس: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)"، لم يعرف المسلمون الرجل الذي ورد ذكره في القرآن الكريم إلا بالسعي، وجهل أغلبهم اسمه ولكنهم عرفوا فعله.

هذا الرجل هو حبيب بن مري، فعن ابن عباس، وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه اليماني أنه كان رجلا من أهل أنطاكية، وكان اسمه "حبيبًا" وكان يعمل الجَرير، وكان رجلاً سقيمًا، قد أسرع فيه الجذام، وكان منـزله عند باب من أبواب المدينة قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون، فيقسمه نصفين، فيطعم نصفًا عياله، ويتصدق بنصف، فلم يهمَّه سقمه ولا عمله ولا ضعفه، عن عمل ربه، قال: فلما أجمع قومه على قتل الرسل التي أرسلها الله لقومه، بلغ ذلك "حبيبًا" وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم بالله، ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ".

فضل السعي

وجعل الله سبحانه وتعالى جزاء فضيلة السعي على طلب الرزق أو نجدة الغير، هو الجنة، وأمر الله عباده بأن يسعوا على أرزاقهم، وأن يلتموسوها من الله جل وعلا، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، وقال سبحانه وتعالى: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

وجعل الله أبواب السعي كثيرة، فمنها أنه أحل التجارة وهي خير المكاسب بأن يبيع الإنسان ويشتري طلبًا للربح، وكذلك من وجوه الكسب المباحة أن يتعلم الإنسان المهن والحرف التي يكتسب من وراءها من الصناعة وغير ذلك من المهن التي يستفيد منها أموال مباحة.

وكان نبي الله داوود عليه السلام يصنع الدروع ويبيعها ويأكل من ثمنها ولهذا جاء في الحديث: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ، مع أنه نبي وملك، لكنه لا يأكل إلا من كده ومن عمل يده فكذلك المؤمن يطلب الحرف والصناعات والمهارات التي يعيش من وراءها ويستغني من مردودها، فيتعلم ما يدر عليه من الرزق، مما أباح الله سبحانه وتعالى، يتعلم الهندسة يتعلم الطب يتعلم الحدادة يتعلم كل ما فيه نفعٌ وفيه مردود حلال ليحصل على الرزق، وكذلك من وجوه الاكتساب الاحتراف والكد باليد الاحتراف والكد.

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله شيئًا من المال فرأى فيه قوةً وجلدًا، فقال: ماذا عندك؟ فذكر له أشياء يسيرة في بيته فأمره أن يحضرها فأحضرها، فباعها الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ ثمنها وأعطاه إياه، وقال: أذهب واحتطب ولا أراك مدة كذا وكذا.

فذهب الرجل وصار يحتطب ويبيع حتى اكتسب دراهم كثيرة، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه دراهم فأخبره بذلك، فقال: هذا خير لك من المسألة، قال عليه الصلاة والسلام: "لئن يذهب أحدكم بأحبله إلى الجبل فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

وجاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الزكاة فنظر إليهما فوجد أنهما قويان فقال لهما: إن شئتما أعطيتكما، غير أنه لا حظ فيها لغني ولا لذي مرة، لا حظ فيها لغني (يعني الزكاة) ولا حظ فيها لذي مرة (يعني قوة).

فلا يجوز للإنسان أن يلجأ إلى السؤال إلا إذا لم يجد عملاً، وهو قادر على العمل، ولكنه لم يجد عملاً أو إذا كان عاجزًا عن العمل جسدياً لا يستطيع العمل، فإنه حين إذ يسأل بقدر حاجته ثم يكف عن السؤال، والحاصل من هذا كله أن على المسلم أن يطلب الرزق من أي وجه أباحه الله سبحانه وتعالى.

ومن وجوه طلب الرزق أن يتوظف الإنسان الوظيفة التي يكتسب من وراءها ما يغنيه عن الناس، فالوظيفة آخر شيء إذا لم يجد طرقاً غيرها فإنه يتوظف ليغني نفسه ويغني من تلزمه معونته ولا يبقى عاطلاً يتكفف الناس أو ينظر إلى ما في أيدي الناس، أو يتحرى الوظيفة متى يحصل له دخول في الوظيفة أو متى يأتيه دوره في الوظيفة لا ينتظر هذا، بل يطلب الرزق ما دام أن الله فتح له أبواب الرزق وأعطاه القوة على ذلك فإنه غنيٌ غني بقوته وقدرته.

اضافة تعليق