"يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا".. هل كان كذلك بالفعل؟

الأحد، 18 نوفمبر 2018 03:01 م
«يأ أبا ذر إني أراك ضعيفا».. هل كان كذلك؟


اقترن الورع والزهد بحياة الصحابي الجليل "أبو ذر الغفاري" رضي الله عنه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، ومع ذلك لم يمنحه الولاية وقال له: "يا أبا ذر إني أحبك، وإني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرن على اثنين- أي لا تكون أميرًا- ولا تولينّ مال يتيم".

وكان أبو ذر في الجاهلية " فاتًكا- كان يهجم علي القطيع وحده فياخذه كأنه سبه، أي أنه لم يكن ضعيفًا، فما ناحية ضعفه التي رآها النبي صلي الله عليه وسلم وأرشده فيها، وخاف عليه منها، لكن قبل الإجابة نذكر أشياء من حياة الصحابي الجليل.

 أبو ذر الغفاري:

جندب بن جنادة، أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: كان خامس خمسة في الإسلام. ثم إنه رد إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر النبي له بذلك، فلما أن هاجر النبي، لحق به أبو ذر ولازمه، وجاهد معه.


أفتي في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وكان رأسًا في الزهد، والصدق، والعلم، والعمل، قوالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدّة فيه، وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر.

يقول الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فدخلت مسجدها، فبينما أنا أصلي إذ دخل رجل طويل، أبيض الرأس واللحية، فاتبعته، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر.
إسلامه:

قال أبو ذر: بلغني أن رجلاً بمكة قد خرج، يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فقلت: انطلق إلى هذا الرجل، فكلمه، فانطلق، فلقيه، ثم رجع، فقلت: ما عندك؟

قال: والله، لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير، وينهى عن الشر، قلت: لم تشفني؟، فأخذت جرابًا وعصا، ثمأقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد.

فمر علي بن أبي طالب، فقال: هذا رجل غريب؟، قلت: نعم، قال: انطلق إلى المنزل، فانطلقت معه، لا أسأله عن شيء، ولا يخبرني!، فلما أصبح الغد، جئت إلى المسجد لا أسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء. فمر بي علي، فقال: أما آن للرجل أن يعود؟

قلت: لا، قال: ما أمرك، وما أقدمك؟ قلت: إن كتمت علي أخبرتك، قال: أفعل، قلت: قد بلغنا أنه قد خرج نبي. قال: أما قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني وادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت.

فمضى، ومضيت معه، فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، اعرض علي الإسلام. فعرض عليّ، فأسلمت مكاني، فقال لي: "يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فإذا بلغك ظهورنا، فأقبل".

فقلت: والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت حتي الموت. فأدركني العباس، فأكب علي، وقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار، فأطلقوا عني. وكان أبو ذر يتعبّد في الجاهلية، ويوحد، ولا يعبد الأصنام.

يموت وحده:

لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل. فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: "دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقكم، وإن يكن غير ذلك، فقد أراحكم الله منه".

حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره. فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعله على ظهره، وخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونظر ناظر، فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كن أبا ذر"، فلما تأمله القوم، قالوا: هو -والله- أبو ذر! فقال الرسول: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده".فمضت الأيام، وسيّر أبو ذر إلى الربذة.

فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه، فقال: إذا مت فاغسلاني، وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم، فقولا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ النعش.

فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أبا ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده"، فنزل، فوليه بنفسه، حتى دفنه.


فضله ونصيحة الرسول له:

وقد سأل أبو ذر سأل رسول الله الإمرة، فقال: "إنك ضعيف، وإنها خزي وندامة، إلامن أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب.


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم، فلينظر إلى أبي ذر". وقال أيضًا: "أيكم يلقاني على الحال الذي أفارقه عليه؟"، فقال أبو ذر: أنا.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت السماء، ولا حملت الأرض أصدق من أبي ذر".

ولما سئل الإمام عليّ رضي الله عنه عن أبي ذر؛ قال : "وعى علمًا عجز عنه، وكان شحيحًا على دينه، حريصًا على العلم، يكثر السؤال، وعجز عن كشف ما عنده من العلم".

وعن علي أيضًا، قال: "لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم، غير أبي ذر، ولا نفسي، ثم ضرب بيده على صدره".

ومع ذلك كله، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر، مع قوة بدنه وشجاعته: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم".

يقول الذهبي: فهذا محمول على ضعف الرأي؛ فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرًا، فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين- الذهب والفضة-.

والذي يتأمّر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر رضي الله عنه كانت فيه حدة - كما ذكرناه - فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم.

اضافة تعليق