"سعيد بن المسيب" فاق "ابن سيرين".. تزوج من ابنة "أبي هريرة".. وهابه الحكام

الأحد، 18 نوفمبر 2018 10:50 ص
فاق ابن سيرين..وتزوج من ابنة أبي هريرة ..وهابه الحكام

عندما يذكر اسم التابعي "محمد بن سيرين"، تذكر البراعة في علم تفسير المنامات، لكن كان هناك من سبقه براعة في هذا الفن، بل كان يفوقه في أمور أخرى كالفقه، والتفسير وغيرها، إنه سيد التابعين "سعيد بن المسيب" ، كان متزوجًا من ابنة الصحابي الجليل "أبو هريرة"، ومن فقهاء المدينة السبعة، الذين تدور عليهم الفتوى في العالم الإسلامي وقتها، انتهي إليه علم الصحابة، وكان من أورع الناس وأتقاهم.


سعيد بن المسيب

بن حزن القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد: لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل: لأربع مضين منها، بالمدينة.


رأى عمر، وسمع: عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وكان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه، وكان ممن تميّز في العلم والعمل.

قال: أتى جدّي "حَزَن" إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل. قال: يا رسول الله، اسم سماني به أبواي، وعرفت به في الناس، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

قال سعيد: فما زلنا الحزونة تعرف فينا أهل البيت. وكان يقول: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة، إلا وأنا في المسجد، وكان يصوم الدهر وحج أربعين مرة، ولم يكن أحد بالمدينة أعلم منه فقها ولا قضاءً، وكان يقال له: فقيه الفقهاء.
عزة نفسه وصدعه بالحق:

كان لسعيد بن المسيب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفًا، هي عطاؤه وحقه من الدولة، فكان يدعى إليها، فيأبى، ويقول: لا حاجة لي فيها، حتى يحكم الله بيني وبين "بني مروان".

وقيل له: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك، ولا يحركك، ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد، فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفًا من حصى، فحصبته بها، وقيل: إن الحجاج بعدها كان يقول: ما زلت بعد أحسن الصلاة.

موقفه مع عبد الملك بن مروان:


وقد قدم عبد الملك بن مروان المدينة، فقال لحاجبه: انظر، هل في المسجد أحد من محدثينا؟، فخرج، فإذا سعيد بن المسيب في حلقته، فقام حيث ينظر إليه، ثم غمزه، وأشار إليه بأصبعه، فلم يتحرك سعيد.


فقال: لا أراه فطن، فجاء، ودنا منه، ثم غمزه، وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟، قال: أجب أمير المؤمنين. فقال: هل أرسلك إليّ ؟

قال: لا، ولكن قال: انظر بعض محدثينا، فلم أر أحدًا أفضل منك، قال: اذهب، فأعلمه أني لست من حداثه. فخرج الحاجب، وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونًا، وذهب، فأخبر عبد الملك، فقال: ذاك سعيد بن المسيب، فدَعْه.

موقفه مع الوليد:

لما استخلف الوليد، قدم المدينة، فدخل المسجد، فرأى شيخًا قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: سعيد بن المسيب. فلما جلس، أرسل إليه، فأتاه الرسول، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: لعلك أخطأت باسمي، أو لعله أرسلك إلى غيري.


فرد الرسول، فأخبره، فغضب، وهم به، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه، فما زالوا به حتى أضرب عنه.

مهارته في تفسير المنامات:

كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا، أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأخذته أسماء عن أبيها الصديق رضي الله عنه، وكان الصديق "أعبر الناس" للرؤيا كان يفسر المنامات بحضرة النبي صلي الله عليه وسلم، فكان إليه المنتهي في ذلك.


يقول أحد الرواة: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب يومًا، وقد ضاقت بي الأشياء، وعليّ دين، فجاءه رجل، فقال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فطرحته على الأرض، وبطحته، ثم ثبّتُّ في ظهره أربعة أوتاد.

فقال سعيد بن المسيب : هذه الرؤيا لا يصلح أنت أن تراها! قال: بلى، قال: لا أخبرك أو تخبرني. قال: ابن الزبير رآها، وهو بعثني إليك. قال: لئن صدقت رؤياه، قتله عبد الملك، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة.

قال: فرحلت إلى عبد الملك بالشام، فأخبرته، فسعد بذلك، وسألني عن سعيد وعن حاله، فأخبرته، وأمر بقضاء ديني، وأصبت منه خيرا .

وقال رجل: رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع مرات، فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياك، قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.

وقيل له: رأيت كأن أسناني سقطت في يدي، ثم دفنتها. فقال: إن صدقت رؤياك، دفنتمن هم في عمرك من أهل بيتك. وقال رجل لابن المسيب: رأيت أني أبول في يدي، فقال: اتق الله، فإن تحتك ذات محرم. فنظر، فإذا امرأة بينهما رضاع. وجاءه آخر، فقال: أراني كأني أبول في أصل زيتونة. فقال: إن تحتك ذات رحم، فنظر، فوجد كذلك.

وقال له رجل: إني رأيت كأن حمامة وقعت على المنارة. فقال: يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن عبد المطلب. و عن ابن المسيب قال: الكبل في النوم ثبات في الدين. وقال له رجل: رأيت كأني في الظل، فقمت إلى الشمس، فقال: إن صدقت رؤياك، لتخرجن من الإسلام.

قال: يا أبا محمد، إني أراني أخرجت حتى أدخلت في الشمس، فجلست، قال: تكره على الكفر. قال: فأسر، وأكره على الكفر، ثم رجع، فكان يخبر بهذا بالمدينة. وقال له رجل: إنه رأى كأنه يخوض النار، قال: لا تموت حتى تركب البحر، وتموت قتيلاً.

فركب البحر، وأشفى على الهلكة، وقتل يوم قديد – معركة وقعت في المدينة- .

ومن أعجب تفسيراته أن الحسن بن علي سبط رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى كأن بين عينيه مكتوب: "قل هو الله أحد"، فاستبشر به، وأهل بيته. فقصوها على سعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياه، فقلما بقي من أجله، فمات بعد أيام.

كلامه الحسن:


"ما أيس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء.. وما شيء أخوف عندي من النساء". ويقول: "ما خفت على نفسي شيئًا مخافة النساء، قالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء، ولا تريده النساء، فقال: هو ما أقول لكم".


وكان يقول:" لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس". ويقول: "من استغنى بالله، افتقر الناس إليه".

وقد كان رحمه الله كثير التلاوة للقرآن، كان يقرأ في الليل على راحلته فيكثر، وكان يحب أن يسمع الشعر، وكان لا ينشده، وكان يصافح كل من لقيه، وكان يكره كثرة الضحك.

ومن أجمل ما كان يقوله: "كفى بالمرء نصرة له من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله".

وفاته:


اشتد وجع سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأغمي عليه، فقال نافع: وجهوه. ففعلوا، فأفاق، فقال: من أمركم أن تحولوا فراشي إلى القبلة، أنافع؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي.


توفي سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات منهم فيها.

اضافة تعليق