الوزير "ابن الزيات".. هكذا كان يعذب خصومه.. وهكذا كانت نهايته

السبت، 17 نوفمبر 2018 03:13 م
21-copy


كان أبوه زياتًا، لكنه مال منذ صغره إلى حب الأدب، وكان ذلك هو سبب ترقيه وحصوله على أعلى المراتب، حيث كان وزيرًا لثلاثة خلفاء من بني العباس علي التوالي، هم: "المعتصم بالله" وولداه "الواثق بالله" و"المتوكل علي الله"، وكانت نهايته على يد الأخير، بسبب انحرافه عما أسند إليه.
الوزير ابن الزيات
أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، المعروف بـ "ابن الزيات"، كان جده "أبان" رجلاً من أهل جبل من قرية كان يقال لها "الدسكرة" يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد.
لكن الحفيد كان له همة في الاطلاع والمعرفة منذ صغره، حتى صار من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديبًا فاضلاً بليغًا عالمًا بالنحو واللغة، لدرجة أن أبا عثمان المازني – عالم النحو المشهور- لما قدم بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في علم النحو، فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب؛ يعني محمد بن عبد الملك المذكور، فاسألوه واعرفوا جوابه، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم عليه.
بداية سعادته:
كان ابن الزيات في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال، فقرأه الوزير عليه، وكان في الكتاب ذكر "الكلأ"، فقال له المعتصم: ما الكلأ؟
فقال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمّيّ ووزير عامّيّ، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا ابن الزيات، فأدخلوه إليه فقال له: ما الكلأ، فقال الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطبًا فهو الخلا، فإذا يبس، فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله، فاستوزره وحكمه وبسط يده.
وأقره الواثق على ما كان عليه في أيام المعتصم، بعد أن كان متسخطًا عليه في أيام أبيه وحلف يمينًا مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه، فلما ولي أمر الكتاب أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة، فكتبوا فلم يرض ما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها، فكفر عن يمينه وقال: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض.
فلما مات الواثق، وتولى المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير، فسخط عليه بعد ولايته بأربعين يومًا، فقبض عليه واستصفى أمواله، وكان سبب ذلك أنه بعد موت الواثق أشار الوزير بتولية ولده.
بينما كان القاضي أحمد ابن دؤاد يشير بتولية المتوكل، وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة وقبله بين عينيه، وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير فيتجهمه ويغلظ عليه في الكلام.
وكان يتقرب بذلك إلى قلب الواثق فحقد المتوكل ذلك عليه، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستر أمواله فيفوته، فاستوزره ليطمئن، وجعل القاضي أحمد يغريه ويجد لذلك عنده موقعًا، فلما قبض عليه ومات في التنور، لم يجد من جميع أملاكه وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، فندم على ذلك ولم يجد عنه عوضًا، وقال للقاضي أحمد: أطعمتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد عنه عوضًا.
طريقته في تعذيب خصومه:
وكان ابن الزيات اتخذ تنورًا من حديد وأطراف مساميره المحددة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، في أيام وزارته، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة، تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشد الألم لم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة.
وكان إذا قال أحد منهم: أيها الوزير ارحمني، فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة.
نهايته:
 لما اعتقله المتوكل، أمر بإدخاله في التنور، قيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال: يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال له: لرحمة خور في الطبيعة، كما كان يقول  للناس، فطلب دواة وبطاقة فأحضرتا إليه فكتب:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم **كأنه ما تريك العين في النوم
لا تجزعن، رويداً إنها دول ** دنيا تنقل من قوم إلى قــوم
وسيرها إلى المتوكل، فانشغل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد، فلما قرأها المتوكل أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتًا، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يومًا، وكان القبض عليه لثمان مضين من صفر من السنة المذكورة.
ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطه بالفحم على جانب لتنور يقول: "من له عهد بنوم... يرشد الصب إليهِ".
ولما جعل في التنور، قال له خادمه: يا سيدي، قد صرت إلى ما صرت إليه وليس لك حامد، فقال: وما نفع البرامكة صنعهم، فقال: ذكرك لهم هذه الساعة، فقال: صدقت.

اضافة تعليق