كيف كان العالم قبل بعثة النبي ومولده؟

الجمعة، 16 نوفمبر 2018 10:46 ص
كيف كان العالم قبل بعثة النبي ومولده




كانت الإنسانية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في حالة من التيه والتخبط؛ وكان العالم في تلك الأثناء ممزقًا أوصاله متفرقة أواصره، وكان الرومان يتحكمون في قطاع كبير من العالم من اليونان إلى البلقان إضافةً إلى بلاد الشام ومصر والشمال الأفريقي، وكانوا يمارسون أبشع صور الاضطهاد والظلم ضد مواطنيهم لا يشغلهم سوى جني الأموال والسيطرة على مقدرات الشعوب والحصول على أكبر المنافع بأي وسيلة غير مبالين بأحوال الناس وما يعانون، ناهيك عن الاضطرابات والفتن والحروب والتطاحن.


كما كان الفُرس تعج دولتهم على اتساع رقعتها بالملل المتهافتة والنِّحَلِ المنحرفة كالمانويَّة والزردشتية والمزدكية، ويضاف إلى ذلك أن الحُكَّام كانوا يعتبرون أنفسهم فوق البشر فهم نسل الآلهة كما يدَّعون يملكون كل شيء ويتحكمون في مواطنيهم ويعاملونهم كعبيد وإن كانوا طبقات إلا أنهم جميعًا في نظر حكامهم متاع كسائر المتاع.


ولم تنجُ الهند من هذه الفوضى التي كان العالم غارقًا فيها؛ فقد عاشت في طبقية مقيتة انعكست على المجتمع الذي قسمه رجال الدين وفقًا للقانون الذي صنعوه إلى أربع مستويات، فالناس إما رجال دين (براهمة) وهم المغفور لهم أصحاب المكانة الرفيعة، وإما رجال جندية (شتري) وهؤلاء ممنوعون من اقتناء المال، وإما رجال فلاحة وتجارة (ويش)، وإما رجال خدمة (شودر) وهم لا يصلحون لشيء سوى الإهانة والاستعمال.


وكان الإنسان سلعة كسائر السلع يُباع ويشترى ويزج به في آتون الحروب والصراعات، ولا كرامة لامرأة بل إن بعض هذه المجتمعات كانت تحرق المرأة وهي على قيد الحياة إذا مات زوجها حتى لا تتسبب في العار في معتقدهم، وفي مجتمعات أخرى يرثها الابن بعد موت أبيه كسائر المتاع فلا قيمة ولا كرامة.


فكانت الإنسانية بحاجة ماسة إلى أن تدركها رحمة الله بإرسال من يزيل الأدران التي راكمتها السنون على قلوب البشر فحجبتها عن نور الفطرة وانحرفت بها عن هدي الرسالات.


لم يكن الحال أفضل في الجزيرة العربية التي تعد جزء هام من العالم له تميز خاص بسبب موقعه الجغرافي وتاريخه الديني، ولم تكن الجزيرة بمنأًى عن التأثر بالحالة العامة التي يعيشها العالم هذه الأثناء فهي سياسيًّا قبائل متفرقة تعاني التناحر والاقتتال غالب الوقت بسبب العصبية والحرص على الزعامة ولا أشهر من حرب داعس والغبراء والبسوس دليلًا على ذلك.


وكان واقع العرب الديني شديد التخلف، فعبادة الأصنام هي السائدة بينهم وكل قبيلة لها إلهها الكبير الحجم الذي تعظمه كاللات ويغوث ونسر وهُبل وإساف ونائلة والعزى، إضافةً إلى العدد الكبير من الأصنام الصغيرة التي يمكن الانتقال بها. وكان النفر القليل جدًّا منهم على شيء من دين إبراهيم أو بقية من اليهودية أو النصرانية كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة.


وكانت الحياة الاجتماعية للعرب عبارة عن مجموعة من التقاليد والعادات منها الحسن ومنها القبيح، فهم أهل إباء ومفاخرة ينتشر بينهم الكرم ويحبون النجدة ويبذل الواحد منهم عُمره وفاء بعهده وحرصًا على شرفه وشرف قبيلته وبنيه، ولهم عناية بالشعر يقرضونه بسهولة ويعقدون له المجالس ويجزلون عليه العطايا ويسجلون فيه أحوالهم وينشرون من خلاله بطولاتهم، لا يقبلون اعتداء على مستجير، ويعظمون شيوخ القبائل.


ولكنهم في الوقت ذاته تنتشر بينهم صُور من الانحراف؛ كأنواع النكاح المنحطة واعتداء وإغارة القوي على الضعيف، ووأد بعضهم للبنات، واعتبار المرأة ميراثًا، وعدم توريث الصبيان والنساء، وانتشار إدمان الخمر ولعب الميسر وغيرها من صور الانحراف الاجتماعية.



كما كان العرب يعيشون بعيدًا عن الحضارة والمشاركة الفاعلة في تقدم الإنسانية؛ فالأمية منتشرة بينهم إلى درجة أنك لا تكاد تجد في قبيلة بأسرها قارئًا واحدًا، وهم في الوقت ذاته قبائل متفرقة لا تجمعهم دولة ولا يحكمهم نظام، يسيطر عليهم الروم تارة والفرس أخرى.


وكان الغالب عليهم رعي الغنم والإبل نظرًا لانتشار الصحراء واتساعها ولم تكن لهم عناية بالزراعة ولا الصنائع، لكن موقعهم الجغرافي أعان على رواج التجارة بينهم.


وكانت لقريش بصفة خاصة منزلة بين العرب لوجود الحرم عندهم؛ ولذا كانت تجارة قريش رائجة وكانت لهم رحلتان عظيمتان رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام.



وكانت الإنسانية الحائرة على موعد مع منقذها الذي قيضه الله تعالى لها؛ ليخرجها من التردي والانحراف الشديد الذي أصابها حتى تنعم من جديد بنور الوحي الذي تخلت عنه لسنوات فتهتدي من الضلالة وتسترد نقاء الفطرة التي دنستها الممارسات الفاسدة.



حتى أن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم كان إيذانًا ببزوغ نجم محاسن الأخلاق من جديد لإصلاح التشوه الذي اعتور البشر، ولم لا وقد كان هذا الحادث الجلل مسبوقًا بدعوات صالحة، وبشارات عَطِرة، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام» [رواه أحمد].



تزوج عبد الله والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من آمنة بنت وهب فَولدت له سيد البشر وخاتم النبيين بمكة وكان ذلك في صبيحة يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول لأول عام بعد حادثة الفيل، وهو يوافق عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571م.



وقد شاءت إرادة الله أن يموت والد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يراه، وورد أنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونًا شاخصًا ببصره إلى السماء وكانت ولادته هينة لم تجد أمه ما تجد النساء من آلام، وقد فرح أهل البيت النبوي جميعًا بالميلاد الشريف ومن ذلك أنه عندما وُلد أرسلت أمه إلى جده عبد المطلب تبشره فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة ودعا الله وشكره وسماه محمدًا ولم يكن هذا الاسم منتشرًا بين العرب إذ ذاك.

اضافة تعليق