من كمال عقل وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018 01:49 م
من كمال عقل وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم




أوتي النبي صلى الله عليه وسلم من العقل والحكمة، ما لم يؤت أحد من العالمين، وجعل صلى الله عليه وسلم من أعقَل خَلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاقِ في نفس الأمر، فبحكمته وعقله كانت علومه وأحاديثه، فكان أحسن النَّاسِ خلقًا وعلمًا ومعرفةً وعقلًا.

وتقول "دار الإفتاء المصرية"، إنه لما كان عقله صلى الله عليه وسلَّم أوسعَ العقول، اتَّسعتْ أخلاقه الكريمة اتِّساعًا لا يضيق عن شيءٍ.

ومنذ نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والعقل المكتمل حليتُه العُليا التي سَمَا بها على الغِلمان أَتْرابِهِ؛ فمنذُ استوى غلامًا، والعقل يزيِّنُه، ولقد بدا ذلك لجدِّه عبد المطلب الذي أخذه ليعوِّدَه أخلاقَ الرِّجال المكتملين.


وأشارت "الإفتاء" إلى أن النبي حينما ذهب إلى بيت عمه أبى طالبٍ بعد وفاة جَده، كان الغلامَ الرَّزين المكتملَ وسطَ أولادِ أبي طالبٍ، لا يَسبق الأيدي إلى الطَّعام، ولا يدخل في زحمةِ الاغتراف، بل يتريَّث غيرَ نَهِمٍ ولا جَشعٍ ولا طَامعٍ، بل الهادئُ الرَّزينُ، قد يكتفي بالقليل، أو ما دونه حتى يتنبَّه إليه عمُّه الشَّفيق فيُقرِّب إليه ما يَبْعُدُ، ويخصه بما يكفيه مئونةَ المزَاحمة، حتى إذا بلغ قدرًا يستطيع فيه الاكتساب عَملَ على رَعيِ الأغنامِ؛ ليأْكُلَ من عَمَلِ يَدِهِ، ولِينال من خيرِ الدُّنيا بمقدارِ ما قدَّم فيها من نفعٍ غيرِ مؤثِلٍ ولا مُقَصِّرٍ.



وأضافت أن عقله المدرك لمصيره بقابل حياته في قابلِ عُمُره، فهو يعدُّ نفسه للتِّجارة -عملِ قَوْمه، ومُكتسبِ أرزاقِهِم، ومنشِّطِ قواهم-، فألحَّ على عمِّه أبي طالبٍ أن يأخُذَهُ معه إلى الشَّام في قافلةِ تجارةِ قريشٍ، ليكون على خبرةٍ بالصَّفقِ في الأسواق، وليتعلَّمَ المصادرَ والموارِدَ، وذلك وهو في الثَّانية عشْرَةَ من عمره، حتى إذا عادَ من هذه الرِّحلة المباركةِ عادَ وقد امتلأَ عقلُه تجربةً، فيمارس التِّجارة صَغُرَتْ بضاعتُه أو كَبُرَتْ، وهو على بيِّنة من أمرها، عليمٍ بأسواقِها، والرائِجِ منها والكاسدِ.

وقالت إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان وهو شاب يحضر مجتمعاتِ قريشٍ؛ فهو يحضُر ندوتها فاحصًا ما يقال فيها من حقٍّ يرضاه، وباطلٍ يجفُوه ولا يُقِرُّه، ويحضُر حلْفَ الفَضَولِ، ويرى لعقلِه الكامِلَ المُدرِك أنَّه لا يسره به حمر النّعم، ولا يرى نصرةً للحقِّ أقوى منه، ولو دُعي به في الإسلام بعد أن عمَّ الحقُّ، لأجاب تكريمًا له وإعلاءً لقدره.



يقول وهب بن منبه رحمه الله تعالى: "قَرَأْتُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ كِتَابًا، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ إِلَّا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ جَمِيعِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا" رواه الحكيم الترمذي وأبو نعيم، وابن عساكر رحمهم الله تعالى.



وروى داود بن المحبر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أَفْضَلُ النَّاسِ أَعْقَلُ النَّاسِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ.


ونقل عن العوارف عن بعض الأكابر قال: اللُّبُّ والعقلُ مائةُ جزءٍ: تسعة وتسعون في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجزء في سائر الناس.


وقال القاضي رحمه الله تعالى: ومن تأمَّل تدبيرَهُ صلى الله عليه وآله وسلَّم أمْرَ بواطنِ الخلق وظواهرهِم، وسياسة الخاصَّةِ والعامَّةِ، مع عجيب شمائِله، وبديع سِيَرِهِ، فضلًا عمَّا أفاضَه من العِلمِ، وقرَّرَهُ من الشَّرعِ، دون تعلُّمٍ سَبَقَ، ولا ممارسَةٍ تقدَّمت، ولا مطالعةٍ للكتبِ، لم يمتر في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول وهلة.



وبعقل وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم،نفر من عاداتِ الجاهليَّةِ التي كانت تُحرِّم وتُحلِّل من غير بيِّنة ولا علمٍ قائمٍ على الحقائق المقرَّرة الثَّابتَة. فلم نَرَه يسجد لصنمٍ قَطٌّ، لأنَّ حُكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ويَكرهُ ذكر الأصنام، وعبادتها، فيستحلفُه الرَّاهبُ باللَّاتِ والعُزَّى، فيقول الغُلام ﷺ: «مَا كَرِهْتُ شَيْئًا كَمَا كَرِهْتُهُمَا».



ويختلف النبي مع تاجرٍ، فيستحلفه التَّاجر باللَّاتِ والعُزَّى، فيمتنع، فيسلم له التَّاجر بحقِّه من غير حلفٍ؛ لِأَمَانَتِهِ.


وعلمت قريشٌ كلها بكمال عقله، وقوَّة إدراكه، فرضيت به حَكَمًا، ساعةَ أن احتدم الجَدَلُ، وكادت السُّيوف تمتَشق، والمعارك أن تُنْصَب، فلما نادَته القُرعَة: أنْ أَقْدِمْ، وافصِل بين النَّاس بالحقِّ، رضوا بحُكمه، لأنَّه سيكون حكم العقل والحقِّ، وأيُّ شخصٍ غير عاقل وحكيم كان يهتدى إلى الحكم الذي يرضيهم جميعًا، فيشركهم جميعًا في فضل حمل الحجر الأسود إلى موضعه من غير مشاحَّةٍ ولا خصومةٍ ولا تفاضل بينهم.



ولكمال عقله صلى الله عليه وسلم، لم يَخُضْ مع الخائضين في العصبيَّةِ الجاهليَّة، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وكان يحب الوِئامَ والسَّلامَ، ولا يحبُّ الحربَ والخصامَ، ولذلك لم يشارك في حربِ الفُجَّارِ إلا بتنصيل السِّهام عن أعمامه؛ حمايةً لهم ورحمةً بهم بموجب الرَّحِمِ الواصلة، لا بموجب الحرب التي أُحِلَّت فيها الحُرُمات والأشهر الحُرم.

اضافة تعليق